فهرس الكتاب

الصفحة 5513 من 19127

وهو معلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يتكلف ولا يتعمَّل، ولم يكتب ولم يؤلف ومع هذا لا تجد في بلاغته موضعًا يَقبل التنقيح [41] أو تعرف له رِقَّةً من الشأن كأنما بين الألفاظ ومعانيها في كل بلاغته مقياسٌ وميزانٌ، أو كأنَّ هذه البلاغةَ تَنْبَثِقُ بالكلام على طبيعة عاملة فيه بِقُواها الدائبة الثابتة ففنُّها الجميلُ هُوَ التَّركيبُ الذي تجئ فيه كما ترى الشجر مثلاً كاسيًا من ورقِهِ وزَهْرِهِ؛ فأنت منه بإزاء عَمَلٍ جميل؛ لأنَّك بِإِزاءِ حقيقةٍ طبيعيَّةٍ قَدِ انفردت في ذاتها، ومعنى انفرادها في ذاتها أنَّها كذلك هي؛ فليس فيها موضعٌ لِشَيْءٍ غيرُ ما هو فيها.

ثُمَّ لا تَنْسَ أنَّ النّبوَّة أكبر السبب في ذلك الوضوح البياني العجيب؛ فإنَّ الحياة لا تستغلق في البلاغة بإنسان إلا وهي غَنِيَّةٌ عنه، ولعلَّ غموض بعض الفلاسفة، وبعض الشعراء وهو من دليل الطبيعة على أنهم زائدون في الطبيعة... ألا ترى أن من أساليبهم الفلسفية والشعرية ما يجعل معنى الكلمة أحيانًا هو نَقْضَ معناها؛ إذ يتصنعون للفِكْرِ، ويستجلبون له، ويُشَقِّقُون فيه كما يفعل أهل صناعة الألفاظ بالألفاظ؛ فهاهنا البديع اللفظيُّ، وهناك"البديع الفكريُّ"، ولا طائل وراءهما إلا صناعة وبَهْرَجَة.

ومتى كان النبي قِسْمًا من الحياة، بل مادَّةً لمعانيها الجديدة، فلن يكون بيانُهُ إلا على ما وصفْنا لك جمالاً، ووضوحًا، ومنفعةً، ودقةً، وسُمُوًّا بقَدْر ذلك كلِّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت