فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ثم إن الكلام في وصف الطبيعة والجمال والحُبِّ على طريقة الأساليب البيانية، إنما هو باب من الأحلام؛ إذ لا بد فيه من عينَيْ شاعر، أو نَظْرَةِ عاشقٍ، وهنا نبيٌّ يوحى إليه، فلا موضع للخيال في أمره إلا ما كان تمثيلاً يراد به تقويةُ الشعور الإنسانيِّ بحقيقة ما في بعض ما يَعْرِضُ من باب الإرشاد والموعظة، كما مر بك من أمثلته، وكقوله - صلى الله عليه وسلم: (( إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذُبَابٍ مرَّ على أنفه ) )، وهذا كلام أبلغ ما أنت واجدٌ من تفسيره تلك النفس المؤمنة بإحساسها الرقيق، كأنه حاسَّةٌ منَ النور كُبَّت في شعورها، وتلك النفس الفاجرة بإحساسها الغليظ، كأنه حاسة من التراب...
ويكاد المؤمن الذي يسمع هذا الوصف يُذَكِّرُهُ ذنوبَهُ أن يُحِسَّ بحركة جبل يهم أن ينقلع فيميل عليه أما الفاجر فيسمعه يُذَكِّرُهُ ذُنُوبه فإذا هي في خياله نُقَطٌ سُودٌ تَمُرُّ مرورَ الذباب ليس منه الحسُّ به كما يُحِسُّ مَن يُضْرَبُ على أنفه برِجْلِ ذُبابة... وجَعَلَ الذبابُ يمر على أنفه دون عينه أو فمه، وذلك منتهى الجمال في التصوير؛ لأن الذباب إذا وقع على الفم أو العين ثبت وألحَّ فإذا وقع على قَصَبَةِ الأنف لم يكد يقف ومر مروره.