فهرس الكتاب

الصفحة 5520 من 19127

ومَنْ كان أكبرُ عَمَلِه إنشاءَ الحقائق الإنسانية، وتقريرَها شريعةً، وعاطفةً، وأعمالاً، فلا جرم كان فنُّهُ غيرَ الذي أكبرُ عملِهِ تَمْوِيهُ تلك الحقائق، وزخرفتها ليقع الإحساس بها على غير وجهها، فتَخِفَّ بالواقع منها على النفس خِفَّةَ الكذب في ساعة تصديقه، وهذا هو أكبر عمل الشِّعر.

وهاهنا سِرٌّ دقيقٌ لا يتمُّ كلامنا إلا بشرحه؛ لنقطع القول في هذا المعنى، فيظهر حقُّهُ من باطله:

قلنا آنفًا إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس كغيره من بُلغاء الناس: يتصل بالطبيعة يستملي منها، بل هو نبيٌّ مرسَل متَّصِل بمصدرها الأزليِّ؛ ليملي فيها.

ومعنى هذا أنه لا يَعْرِضُ له من زَيْغِ النفس ما يَعْرِضُ لغيره منَ الناس، فأَحْكَمُ حُكَمَاءِ الدنيا لا يستطيع أن يَتَبَيَّنَ جزءًا صغيرًا منَ الكون على حقيقته؛ إذ كانت حواس الجسم غيرَ مُهَيَّأَةٍ لذلك، فَفَهْمُ جزء مِنَ الكون فهمًا صادقًا جزمًا لا يتم إلا بفهم الكون بأجمعه، فهو كله ذَرَّةٌ مكبَّرَةٌ إلى ما لا ينتهي ولا يُحَدُّ، وليستِ النبوةُ شيئًا غير الاتصال بالسرِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت