فهرس الكتاب

الصفحة 5964 من 19127

أما بعد أيها الناس: اتقوا الله تعالى، واعلموا أن الصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فلا إيمان لمن لا صبر له، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر، وبه يظهر الفرق بين ذوي العزائم والهمم، وبين ذوي الجبن والضعف والخور، والصبر من مقام الأنبياء والمرسلين وحلية الأصفياء المتقين، قال الله تعالى عن عباد الرحمن: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً} وقال عن أهل الجنة: {وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ} {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} والصبر ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله التي يجريها إما مما لا كسب للعباد فيه، وإما مما يجريه الله على أيدي بعض العباد من الإيذاء والاعتداء، فالصبر على طاعة الله أن يحبس الإنسان نفسه على العبادة، ويؤديها كما أمره تعالى، وأن لا يتضجر منها، أو يتهاون بها، أو يدعها، فإن ذلك عنوان هلاكه وشقائه، ومتى علم العبد ما في القيام بطاعة الله من الثواب هان عليه أداؤها وفعلها، فالحسنة ولله الحمد إذا أخلص الإنسان فيها لله، واتبع رسول الله كانت بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء، وفضل الله ليس له حد، ولا انحصار، وأما الصبر عن معصية الله، فأن يحبس الإنسان نفسه عن الوقوع فيما حرم الله عليه مما يتعلق بحق الله، أو حقوق عباده، ومتى علم ما في الوقوع في المحرم من العقاب الدنيوي والأخروي والاجتماعي والفردي، وأن ذلك مما يضر بدينه، ويضر بعاقبة أمره بل، ويضر بمجتمعه، فإن الذنوب عقوباتها في الدنيا قد تعم، ويبعث الناس على أعمالهم ونياتهم متى علم العاقل ما يقع من جراء الذنوب أوجب ذلك أن يدعها؛ خوفاً من علام الغيوب، وأما الصبر على أقدار الله، فمعناه أن يستسلم الإنسان لما يقع عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت