بُحثت قضية الفن وغرضه في القديم والحديث، وكثر الجدل بشأنها، واختلفت الآراء في تلك الوظيفة، وأهم الآراء وأساسها رأيان هما:
1-رأي يذهب إلى أن الأدب وظيفته ومهمته الأساس هي التهذيب والتربية والتعليم، وهي غاية تُلحظ في اصطلاح: (أدب) و (تأديب) و (مؤدِّب) التي يدور معناها حول: التهذيب.
وهو رأي غالب في ثقافتنا العربية، أو حتى عند الأمم الأخرى في القديم وحتى العصر الحديث.
2-ويرى آخرون أن الأدب والفن نوع من الترفيه والتسلية، وهو بهذا المفهوم لا يحتمل أن يقوم بوظيفة، ولا يطيق أو يقوى على حمل رسالة أو توجيه، فهو ضرب من النشاط المطلوب لذاته، وجنس يقوم على الجمال ويقوم له وينعقد من أجله.
وهو مع هذا لا يناقض بالضرورة العقائد ولا القيم، وقد يسير أحياناً مع القيم الرفيعة والأهداف النبيلة، وقد لا يسير، فليس ذلك شرطاً فيه ولا مطلوباً منه [4] .
وهذا الرأي على غرابته في التراث العربي، فإنه وجد، وممن نص عليه قدامة بن جعفر (ت 337هـ) في كتابه: (نقد الشعر) ، إذ يرى أن للشاعر أن يضرب في أي فجٍّ من فجاج المعاني، وأن يسلك أي سبيل من سبل الأغراض حميدها ومذمومها إذا ما التزم بشرط الصياغة، واعتنى بتجويد شعره حتى يقبله الجمهور ويذيع في الآفاق [5] .
وجذور هذه النظرية - أعني الفن للفن - تضرب في أعماق التاريخ، وتغوص في تراث الأمم، فهذا أرسطو يرفع من شأن الشعراء ويجعلهم عباقرة يقبل ما يقولون دون مراجعة، مناقضاً بذلك أفلاطون الذي هاجم الشعراء ولم يبق منهم إلا من يعنون بالتهذيب وتمجيد الآلهة ومدحهم.
وحين سقطت الإمبراطورية اليونانية الوثنية، وقامت على أنقاضها الإمبراطورية الرومانية النصرانية، سيطرت الكنيسة على شتى أنواع النشاطات الإنسانية ومنها الأدب، وجعلتها خادمة للنصرانية وقيمها الفكرية والأخلاقية، وشددت النكير والعذاب على من خالف تلك السياسة أو حاول معارضتها.