لقد كان المسلمون الأوائل يتلقَّون الدَّعوة وتبعاتها، والقصص القرآني يحمل إليهم - عبر القرون التي سلفت و الأمم التي خلت - ذلك الكمَّ الهائل من التَّجارب والعبَر، وكان ذلك رافداً من أهمِّ روافد الهداية على طريق هؤلاء الذين أسلموا وجوههم لله وحدَه، مع ما كانوا يلاقونه من الشِّدة والابتلاء.
وما دام في النَّاس قرآن يُتلى -وهو محفوظٌ بحفظ الله الذي أنزله- فالعبرةُ من القصص قائمة لأولي الألباب العاملين الصَّابرين المجاهدين، تغني طريقَهم ببواعث الخير، وتثبِّت أقدامهم، وتؤنس وحشتهم، وتحرِّك في أعماقهم مزيداً من الاعتبار والقدرة على المقايسة المجدية، والمقارنة التي تؤدِّي غرضَها على صعيد الموقف والسلوك.
والقصَّة في القرآن - وهي لونٌ من ألوان البيان على طريق الهداية والدَّعوة إلى الله؛ هدماً للباطل ورفعاً لقواعد الحقِّ الذي نزل به الكتاب وإقامةً واعيةً لصروحه - هي تعبيرٌ عن وقائعَ حدثت على وجه اليقين زماناً ومكاناً وأشخاصاً، جرت على أيديهم، أو حلَّت بهم تلك الوقائع.
ولهذا جاء هذا الكتاب، ليس بسبيل الاستقصاء لكلِّ ما ورد من القصص في كتاب الله عز وجل؛ ولكنه بسبيل التَّنبيه على النَّموذج الذي يُسعف في محاولة الانتفاع بغيره، وذلك يتَّفق مع ما أراد الكاتبُ من كل قضيةٍ مطروحةٍ ضمن الموضوع العام.
أما القضيةُ الأساسية التي تناولها الكاتبُ من خلال القصص القرآني في هذا الكتاب فهي قضية البناء؛ بناء الفرد والمجتمع بمعناه الإسلامي الحضاري؛ بناءً يتَّسم بالشُّمول؛ بناءً يتناول -مع العقيدة والعبادة والأخلاق- شؤونَ الحياة بأكملها، بحيث يتجاوز بناء الفرد إلى بناء المجتمع بناءً تُتَرجَم معه تلك القيم إلى وجودٍ عمليٍّ تنطِقُ به حركة الفرد والأسرة والجماعة، ويشرق بهديِه تنظيم العلاقات التي تحكم هؤلاء على أساسٍ من العقيدة التي عُنوانها الكلمة الطيبة:"لا إله إلا الله محمَّد رسول الله".