فهرس الكتاب

الصفحة 8138 من 19127

يعجِبُنِي هذا السلوكُ الاختياريُّ الذي نَوَّنَ مَطَرًا في الشطر الأول؛ والتنوين تَنْكِيرٌ، والشطر الأول يبدو السلام فيه مُوَجَّهًا إلى الحبيبة؛ ومن ثَمَّ فَمَطَرٌ في مَنْطِقَةِ التَّجْهِيلِ والتنكير؛ لكنه حين تَوَجَّهَ إليه بِعَدَمِ السلام في الشطر الثاني كان البناء على الضمِّ؛ لأن التوجُّهَ هنا إلى معروف مقصود؛ فالنحو هنا يتحرك لصالح مراد لغة الشِّعر.

3 -إن شاعرًا معاصرًا يقول في ذكرى وفاة زوجه:

يَا لَيْلَةً شَبَّتِ الذِّكْرَى بِعَوْدَتِهَا فِي دَوْرَةِ الْعَامِ مَاذَا هِجْتِ لِيَ الآنَا

يتحدث عن ليلة يعرفها؛ لأنَّ فيها ذكرى وفاة زوجه، يخاطبها بالتنكير قائلاً:

(يا ليلةً) بمراد النَّكِرَة غيرِ المقصودة مع أنَّه يعلمها ويعيش هَمَّها أيامَهُ وليالِيَهُ، لقد أتاح له النحو أن يُنَكِّرَ؛ لأن الليلة في مَرَامِ الشاعر أن تكون في طَيِّ النِّسيان حتى يزول عنه الهمُّ والأحزان.

4 -إنني حين أَستخْلِص قانون الحذف من لغة الإبداع، في قول الشاعر وهو المُرَقّشُ:

وَرُبَّ أَسِيلَةِ الْخَدَّيْنِ بِكْرٍ مُهَفْهَفَةٍ لَهَا فَرْعٌ وَجِيدُ

أجد أن مَنْطِقَ النحو في حَذْف الصفة هنا إبداعي، فالوصف بمطلق الجِيدِ لا معنى له؛ لأن كل نساء الدنيا لهن جِيد، فليكن بمذاق الشعر الجِيدَ الطويل، والوصف بمطلق الفرع؛ أي: الشَّعْر لا معنى له؛ لأن كل نساء الدنيا لهن شَعْر؛ لكن النحو يستأنس بظل الجمال في بيئته ليقول: إن المراد بالفرع كما تحب العرب الشَّعْر الفاحمَ الأسودَ، وإذا كان المُتَيَّمُ أَنْدَلُسِيًّا لكان المراد بالشَّعر الشَّعر الأصفر.

هكذا أُحِبُّ أن يكون النحوُ جزءًا من إبداع.

في الختام أنا أحدس من خلال أفكاري المُتناثرة بأشياء:

1 -بأن النظرية النحوية إبداعية.

2 -أن ما هوجمت به كان من أجل لغة الشِّعر؛ لغةِ الجمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت