والوضعية بالمعنى الأوسع: هي الرأي القائل بأنه ما دامت المعرفة الحقيقية كلها مؤسسة على الخبرة الحسية ولا يمكن أن تتقدم إلا بواسطة الملاحظة والتجربة، فإن المحاولات التأملية أو الميتافيزيقية لاكتساب المعرفة عن طريق العقل غير المحدود بالخبرة لابد أن يتخلى عنها لصالح مناهج العلوم الخاصة [1] .
فالواقعيون يرون أن للأشياء الخارجية وجوداً عينياً مستقلاً عن الذات التي تدركها، والمعرفة صورة مطابقة لحائق الأشياء في العالم الخارجي، فالعالم الخارجي كما هو مدرك في عقولنا ليس إلا صورة للعالم الموجود في الواقع ويسلمون تسليماً أعمى بقدرة الحس وصحته [2] .
فهي إعلانه للإلحاد، ووضعية وواقعية تدل على مدرسة واحدة، إلا أنه غلب استخدام (الواقعية) في الأدب وغلب استخدام (الوضعية) في الفلسفة وكلاهما وجهان لعملة واحدة.
فالواقعية: نظرية تذهب إلى أن للمعاني والكميات وجوداً مستقلاً عن الذهن، هذا هو الأساس الذي يتفق عليه الواقعيون وإن اختلفوا في تفسيره.
ومسألة الكليات وإثبات وجودها في الخارج مسألة في غاية الأهمية فهي الأساس لكثير من العقائد الباطلة كالقول باتحاد الله بمخلوقاته، والقول بأن المعدوم شيء، وغيرها [3] .
ولعل بداية الواقعية كانت محاولة للرد على السوفسطائيين الذين أقاموا فلسفتهم على القول بالنسبة الذاتية والموضوعية، ورتبوا على ذلك الشك في الإدراك الحسي ومطابقته للواقع، وهذا هو الجانب الذاتي للنسبية، كما نفوا أن يكون للأشياء حقائق ثابتة، بل هي عندهم في تغير مستمر، وهذا هو الجانب الموضوعي للنسبية، وبعد ظاهرة الشك التي أصبحت أزمة فكرية ألغت كل معيار للحقيقة، حاول أفلاطون وأرسطو ومن قبلهما سقراط - وإن كان قد حصر اهتمامه بالجانب الأخلاقي- أن يبرهنوا على بطلان النسبية، وإثبات أن التغير الظاهر في الأشياء لا يقتضي انتفاء حقائقهما الثابتة كما يقول الشكاك [4] .
الواقعية
المبحث الثاني
الفصل الأول