استقرت كراهية النظارة في قلبي، وكم تمنيت أن أتخلص منها فلم أستطع، بل على العكس من ذلك فقد كانت تترسخ أكثر فأكثر، فكلما تقدمت في السن تقدمت هي تطالب بمزيد من درجات العدسات، حتى جاء يوم أصبحت لا أقدر أن أسير أو أقرأ بدونها. ولست أدري ماذا كان شعور والدي رحمه الله حين كنت أقف للصلاة والنظارة على أنفي فيقول لي: اخلع النظارة وصلِ لأن النظارة تمنع من حسن السجود. وكنت أجيبه وكيف سأستطيع أن أقرأ في الصلاة.. ثم أضحك.
سارت الأيام وجاءت حرب رمضان وكان أخي يؤدي الخدمة الإلزامية الثابتة وقد زودوه ببندقية رشاشة، ووجد خلسة من الوقت فأتى البيت يطمئن علينا. ولم يمض زمن طويل على مجيئه حتى أشرقت السماء بأضواء كاشفة كالمصابيح من السماء وانقلب إلى ما يشبه النهار، وقال أخي: لقد ألقيت قنابل ضوئية خشية إنزال مظلي. وقد تكون هذه القنابل قد ألقاها العدو ليبين لأفراده المظليين أين سيهبطون.
وأسرعت إلى الشرفة ونظرت إلى السماء فإذا هي مليئة بالمظلات وهي تلمع، وصحت: يخرب بيتهم لقد صنعوها.. وجاء أخي وقال: ما بالك..؟! قلت: انظر إلى السماء.. فهذا إنزال مظلي! وراح ينظر إلى السماء بينما دخلت الغرفة مسرعًا، وأحضرت بندقيته وجثوت في الشرفة على ركبتي وأخذت وضع الاستعداد لإطلاق النار.
وقال أخي مستغربًا: أخي أين المظليون؟
قلت: انظر إلى السماء ألا ترى.. وكانت الرؤية قد تأكدت عندي إذ خلعت النظارة.