فهرس الكتاب

الصفحة 8899 من 19127

بل إنَّ الأثر الأدبي - كما يقول ديتش -"قد يجسد (حلم) الأديب لا واقع حياته، أو قد يكون (القناع) أو قد يكون (النقيض) الذي يخفي وراءه شخصه الحقيقي، أو قد يكون صورة من الحياة التي يريدُ الأديب أن يهرُب من نطاقِها، ثم علينا ألا ننسى أنَّ الفنَّان قد"يجرِّب"الحياة تجربة مباينة من خلال فنه، فيرى التَّجارِب الواقعية من حيث فائدتُها للأدب، فتجيءُ إليه وقد تَلَوَّنَتْ بعض الشيء بلون التقاليد والمواصفات الفنية..." [2] .

كما أن معيارَ الصدق لا يقصد به على الإطلاق أن يكون الأثر الأدبي صفحة من تاريخ مؤلفه، أو وثيقة من وثائق حياته، إذ هو عندئذٍ حكم على الصدق الواقعي المستمد من سيرة الأديب، وليس حُكْمًا على الصدق الفني الذي هو مَنَاطُ بحث الناقد واهتمامه.

ثم من يستطيع أن يتخيل - وإنْ مجرد تخيّل - أن عشرات التجارِب والأحداث والأفعال التي عَبَّر عنها الأديب في قصصه، ورواياته قد عاشها جميعًا؟، وأي عمر هذا الذي يَتَّسِعُ لذلك؟!

إنَّ مُجرَّد الاعتقاد أنَّ الأَثَرَ الأدَبِيَّ هو مَحْض نسخة من الحياة، أو أنه صورة فوتوغرافية عنها، هو اعتقاد غير صحيح، ذلك أنَّ الأدب يقوم على التَّخَيُّر والانتِقاء، على الأخذ والتَّرْك، الحياة مصدر له، لكنه لا يَنْسَخُها نَسْخًا، وله شروطُه وطبيعتُه وفنيته التي تجعله يتعامل مع الحياة بطريقة تحققها، ومثل هذا - أو أكثر - ينطبق على ما يمر بالمؤلف من أحداث وأحوال، فهو - في كل ذلك - خاضعٌ لمبدأ (الانتفاء) ، ومبدأ (تحقيق العرف الأدبي) لهذا الجنس الذي يكتب فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت