ولئن كان نحوُ البصرة أَحْظَى عند الناس، لقد كان نحوُ الكوفة أَحْظَى عند الخلفاء، إذ كانت الكوفةُ أقرَبَ من البصرة إلى بغدادَ، وفيها كانت البَيْعَة للسَّفَّاح، ولبِثَتْ بعض الوقت حاضِرَةَ الدولة، أما البصرة فقد ظهر فيها إبراهيم بن عبدالله بن الحسن يدعو لأخيه محمد، وكان قد خرج بالمدينة فاستجاب لإبراهيم كثيرٌ من أهل البصرة، فاستوْلَى عليها وعلى ما قَرُب من واسط والأهواز [78] .
لذلك أُتِيح للكوفيِّين أن يسبقوا إلى بغداد، ففتح الخلفاء لهم أبوابهم، ووكلوا إليهم تأديب أولادهم؛ فكان الكِسَائِيُّ في حاشية الرشيد، ثم مؤدِّبَ وَلَدَيْهِ [79] ، وكان الفَرَّاء مُؤَدِّبَ وَلَدَيِ المأمون [80] ، وكان ابن السِّكِّيتِ يُنادِمُ المتوكِّل [81] ، فأَعظَمَ الناسُ نحاةَ الكوفة، وأقبلتِ الدنيا عليهم، ولم يظفَرِ البصريُّون الذين رحلوا إلى بغداد بمثل ما ظَفِرَ الكوفيون به ولا قريبٍ منه! فأَخْفَقَ سِيبَوَيْهِ في مناظرة الكِسَائِيِّ، واتَّخذ الكِسَائِيُّ الأَخْفَشَ مُؤَدِّبًا لأولاده [82] ، وكان المبرِّد يعلِّم الزَّجَّاجَ النحو، فيعطيه الزَّجَّاجُ كلَّ يوم دِرْهمًا أَجْرًا له [83] .
النحو وأشهر علمائه
بعد انقسام الدولة العباسية
ضَعُفَتِ الدولة العباسية، وتزايلت بِنْيَتُها؛ فطَمِعَ وُلاة الأقاليم فيها، وأَوْهَنُوا صِلتَهُم بِها، وكان آل بُوَيْهِ أجْرَأَهُم عليها؛ فقدِ استقلُّوا بفارِسَ والجزيرة، ثُمَّ استوْلَوْا على بغدادَ، وسلبوا الخليفة سلطانه سنة 334.
فَنَشَأَتْ دُويلات هنا وهناك، وتعدَّدَتِ الحواضِرُ فيها والأمصار، ولم تبقَ بغدادُ - كما كانت قِبْلَةَ العُلماء ومَنْ إليهم، فقد كان حُكَّام الدُّويلات يجدُّون في تَأْثِيلِ مُلْكِهِمْ، ويجتذبون العلماء والشُّعراء إليهم، فقصدوهم وأقاموا في ظِلالهم قليلاً أو كثيرًا، لذلك بقيت الحياة العلمية على قوتها ونشاطها؛ بل لعلَّها زادت قوَّة على قوتِها، ونشاطًا على نشاطها.