أما بَعْدُ: فإنَّ الله - تعالى - أنزل هذا القرآنَ وجعله مَصْدَرَ هدايةٍ، وسبيل توفيق في الدنيا والآخرة، لمن آمن به فقرأه وتدبره ثم عمل به: {إِنَّ هَذَا القُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء:9] ما قال يهدي للطريق القويم؛ وإنما قال - تعالى: {لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} أي في كل شيء يدل على ما هو أفضل وأخير، وفي ذلك إيماءٌ إلى ضمان سلامة أمة القرآن من الحيدة عن الطريق الأقوم؛ لأن القرآن جاء بأسلوب من الإرشاد قويم، ذي أفنان لا يحول دونه ودون الولوج إلى العقول حائل، ولا يغادر مسلكًا إلى ناحية من نواحي الأخلاق والطبائع إلا سلكه إليها تحريضًا أو تحذيرًا، بحيث لا يعدم المتدبر في معانيه اجتناء ثمار أفنانه [1] ·
أيها الإخوة: هذه وقفة عابرة على آية عظيمة من آياته في معناها وفضلها، وما ينبغي أن يُعْلم عنها، هي أفضل آية في كتاب الله - تعالى - كما روى أبيُّ بن كعب - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سأله: (( أيُّ آية في كتاب الله أعظم؟ ) )قال:"اللهُ ورسولُه أعلم"، قال: فردَّدها مرات، ثم قال أبيٌّ:"آية الكُرْسِيّ"، قال: (( لِيَهْنِكَ العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إنَّ لها لسانًا وَشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ الملِكَ عِنْدَ ساقِ العَرْشِ ) )؛ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ [2] .
{اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} له جميعُ معانِي الألوهيَّة، لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو، فعبادةُ غيره شرك وضلال، وظلم وبطلان.