قد يجادل البعض أن بلير الراسب خارجيا نجح في تحقيق نجاحات داخلية، وهذا أمر محل شد وجذب حتى في بريطانيا نفسها فما يقال إنه نمطية ليبرالية 'بليرية' أو"طريق ثالث"في إدارة الاقتصاد وعلاج المشكلات، لا يعدو أن يكون تعديلا طفيفا للمنهجية التي سادت أيام رئيسة الوزراء (مارغريت ثاتشر) ؛ فلقد واصل بلير سياسة تحرير مصرف إنكلترا المركزي في الوقت نفسه الذي أتم فيه سياسة خصخصة التعليم والمنظومة الصحية على الرغم من أنه ينتمي أيديولوجيا إلى حزب يساري يفترض أنه يقوم على عكس هذه التوجهات.
الأمر إذن قد يعني بوضوح شديد حرصًا أميركيًا على إطلاق 'رصاصة رحمة' على عملية السلام، بمعنى أن الإدارة في واشنطن وحلفاءها عبر العالم قرروا سحب بساط التسوية من تحت أقدام المؤسسات الدولية -مع كل التحفظ على هذه العبارة الأخيرة- وتكفل المتصهينين بملف الصراع العربي الإسرائيلي بشكل نهائي حتى تصير التسوية مرادفة للتصفية من خلال فرض الأمر الواقع، فلا أحد يتصور مثلا أن بلير سوف يكون على مسافة واحدة من الفرقاء، فسادس المستحيلات أنه سوف يتعامل مع عباس في رام الله كما يتعامل مع أولمرت في القدس المحتلة، أما سابعها فهو تعامله مع حركة حماس؛ لأنه ما انفك يعدها منذ سنوات طويلة 'منظمة إرهابية' ينبغي محاربتها بدل التفاوض معها، ومن ثم فهي في نظره أقل شأنا من الجيش الجمهوري الأيرلندي الذي انقلب موقف الساسة في لندن منه رأسا على عقب حتى صار شريكا سياسيا لهم بعد أن كان هو أيضا 'إرهابيا مجرما' علاوة على أن الموازنة هنا أيضا غير ممكنة؛ لأن حركة حماس لم تقتل لحد الساعة بريطانياً واحدا على عكس الأيرلنديين!
ثم أخيرا، أليس من حقنا أن نسأل: من يضمن لنا -ما دام التواطؤ قد بلغ هذا الحد من الاستهزاء- أن 'المجموعة الدولية' لن تعين الرئيس بوش عند انتهاء ولايته بعد أقل من عامين من الآن، مبعوثا للسلام في العراق بما أننا نعيش عصر انقلاب الصورة!!