فهرس الكتاب

الصفحة 10333 من 19127

وقد تتطلب الدعوة إلى ما سبق شيئا قليلا أو كثيرا من الجدال بالتي هي أحسن كما قال الله - عز وجل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] . فلا يصدنك عن ذلك معارضة الجهلة بقوله - تعالى: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 196] . فإن الجدال المنهي عنه في الحج هو كالفسق المنهي عنه في غير الحج أيضًا، وهو الجدال بالباطل وهو غير الجدال المأمور به في آية الدعوة قال ابن حزم - رحمه الله - (7/196) :

"والجدال قسمان: قسم واجب وحق، وقسم في باطل فالذي في الحق واجب في الإحرام وغير الإحرام قال - تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} [النحل: 125] ومن جادل في طلب حق به فقد دعا إلى سبيل ربه - تعالى - وسعى في إظهار الحق والمنع من الباطل وهكذا كل من جادل في حق لغيره أو لله - تعالى - والجدال بالباطل وفي الباطل عمدًا ذكرًا لإحرامه مبطل للإحرام وللحج؛ لقوله - تعالى: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 196] ".

وهذا كله على أن"الجدال"في الآية بمعنى المخاصمة والملاحاة حتى تغضب صاحبك. وقد ذهب إلى هذا المعنى جماعة من السلف وعزاه ابن قدامة في (المغني) (3/296) إلى الجمهور ورجحه. وهناك في تفسيره قول آخر: وهو المجادلة في وقت الحج ومناسكه واختاره ابن جرير ثم ابن تيمية في"مجموعة الرسائل الكبرى" (2/361) وعلى هذا فالآية غير واردة فيما نحن فيه أصلاً. والله أعلم.

ومع ذلك فإنه ينبغي أن يلاحظ الداعية أنه إذا تبين له أنه لا جدوى من المجادلة مع المخالفة له لتعصبه لرأيه، وأنه إذا صابره على الجدل فلربما ترتب عليه ما لا يجوز فمن الخير له حينئذ أن يدع الجدال معه لقوله - صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت