فهرس الكتاب

الصفحة 10456 من 19127

وأقل نعم الله على الصائم إعانته على الصيام والقيام، وشرح صدره للذكر والتقوى والتوبة والإنابة، وتوفيقه للعمل الصالح، وإتمام فرحته بالعيد، فأقل ما يشكر به لربه هذه النعمة السابغة اغتنامه لأثرها وهي في قلبه وسلوكه غضة ماثلة قبل أن تزحزحها الغفلة فتندرس، وتصير ذكريات فارغة، وصورًا عابرة، فإن انتباه العبد حال السماع وحضور الواعظ ليس كانتباهه بعد ذهابه وانقطاع وعظه، وقد صور الإمامُ ابن الجوزي -رحمه الله- هذا المعنى أحسنَ تصوير وفسره أبلغَ تفسير؛ فقال:

"قد يعرض عند سماع المواعظ للسامع يقظة، فإذا انفصل عن مجلس الذكر عادت القساوة والغفلة، فتدبرت السبب في ذلك فعرفتُه، ثم رأيت الناس يتفاوتون في ذلك، فالحالة العامة أن القلب لا يكون على صفته من اليقظة عند سماع الموعظة وبعدها؛ لسببين:"

أحدهما: أن المواعظ كالسياط، والسياط لا تؤلم بعد انقضائِها إيلامَها وقت وقوعها.

والثاني: أن حالة سماع المواعظ يكون الإنسان فيها مزاح العلة؛ قد تخلى بجسمه وفكره عن أسباب الدنيا، وأنصت بحضور قلبه، فإذا عاد إلى الشواغل اجتذبته بآفاتها، وكيف يصح أن يكون كما كان؟". [صيد الخاطر: ص 9-10] ."

وكذلك حال الصائم؛ فإن صيامَه يحملُه على تعظيم شعائر التعبد، وصيانتها أن تخدش أو يفسدها بركوب محرم، فيكون أشرحَ صدرًا، وأرقَّ قلبًا، وأكثر خشوعًا ووقارًا، وأسرعَ إلى الخيرات، وأحرَصَ على الاستقامة والتقوى، فإذا أفطر قلَّ -ميولا مع الطبع- خشوعُه، وخف اتعاظُه وإقباله.

لكن الصائمين ليسوا من هذا الوجه على حال واحدة؛

فمنهم من ينمحي أثرُ اتعاظه بصيامه بانقطاعه.

ومنهم من تجتذبه أسباب الغفلة حينًا، فيميلُ مع طبعه ورعونة نفسه، وتقيمه أسباب اليقظة حينًا فيتعظ ويستقيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت