ومنهم اللابث على حال اليقظة الأولى؛ قد لازم أثرُ الصيام قلبَه؛ فألِفَت جوارحُه دوامَ الامتثال، وخبَرَ حلاوةَ التقوى، وعرَف أن بها حياةَ قلبه، وفيها ربيعَه ونعيمَه؛ فلم يقدر على فراقها، وعلق همه بالحظوظ الآجلة الباقية؛ فشق عليه إيثارُ الحظوظ العاجلة الزائلة...
فهو على سبيل الرضى والثبات واليقين ماضٍ لا يلتفت إلى الوراء؛ قد أدرك أن ربه المعبود في رمضان لا يزال ربًّا واحدًا حيًّا حسيبًا رقيبًا بعد رمضان، وأن صيامَه كان أشبه بمنزل نزله في أثناء سيره الموصل إلى بارئه ومولاه، ثم استأنف المسير بعد التزود وتجديد الاستعداد.
وأدرك أيضا أن ربه الذي فرض عليه الصيامَ هو نفسُه الذي فرضَ عليه الصلاةَ والحج والزكاة، وسائر الشعائر والطاعات؛ فهو رب واحد، شرع ملة حنيفية واحدة؛ لا يسعُ المنتسبَ إليها إلا التحلي بخصال شرعتها المتماسكة كلبِن البنيان، والتجلل بلبوسها الشامل السابغ، فلا ينفعه طلب الاستقامة بإتيان شعيرة دون أخرى، وإلا كان كمن أجهد نفسه في تحصيل ثمن ثوب جميل نفيس؛ فلما قطعه وخاطه ليلبسه جعله ضيقًا قصيرًا؛ فلا هو ستر نفسه بما يلبس، ولا هو استمتع بجماله وبهائه.
وأدرك أيضا أن غضب الله الذي كان يخشاه في رمضان لا يمنعه انقضاؤه؛ لأن تعلقه بالمعصية متى كانت.
وأدرك أيضًا أن ما حصله من ثواب الصيام والقيام غنيمةٌ نفيسة؛ من الغبن الأعظم إهدارُها، فيلزمه رعايتُها وصيانتها كي لا تصير غنيمةً باردة للشيطان يستعيض بها عما فاته أيام الحبس والتصفيد؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: (رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ، ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَن يُغْفَرَ لَهُ) [هداية الرواة -887] .