وأدرك أيضا أن موسم الطاعة ليس ثلاثين يومًا، وإنما العمر كله، وأن يوم العيد أشبه ما يكون بيوم العرض على الرب عز وجل، فالناس فيه بين فائز فرح بلقاء ربه، وخاسر محروم من رحمته ورضوانه....
فمثل لانقضاء عمرك أيها الفطن اللبيب بانقضاء شهر رمضان، فلن يلبث حتى يفوت؛ فتفاجأ بسرعة انقضائه كما فوجئت بسرعة انقضاء رمضان..!، أو لعلك لا تعيش حتى تدرك رمضان السنة القابلة..!.
وراجع حالك، واعرض على ربك حظك المذخور وقدر مآلك، ثم انظر هل بلَّغك زادُك الذي جمَعتَ ما تفرح به الفرحَ الحقيقي المقيم، وتنال به جوار ربك العلي الرحيم؛ كما قال عز وجل: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] ؟..
أم هي فرحة أخلصتها للأكل والشراب، وزائل الشهوات، وقريب الأغراض، وداني الشؤون والرغبات؟!...
وإلا فاعلم أن للمسيء الخامل الكسول فرحةً، وللقاعد عن جلب الغنيمة الشريفة الباقية نشاطًا وسَرحة؛ يراها بعين المغرور دوحةً مِحْلالا، وهي وعد إبليس المكذوب وأمنيته المسمومة؛ كما قال تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللَّهِ..} [التوبة: 81] .
فهل يفرح بمقعده خلافَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا المستنكفُ الجهول؛ المؤثر للحرمان والخذلان؟!..، ثم قال تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا..} إشارةً إلى أن وراءَ فرحِهِ الموقوت بكاءً مستمرًا، وحسرة شديدة، وندمًا طويلا.
وللغافل الناسي المستهين بالعظات والبينات فرحة؛ كما قال تعالى -يصف مصير أهل هذه الحال-: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذا هُم مُّبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] .