فكم ممن يرى رمضان قاطعًا للهوه وزهوه، فإذا خرج فرِح بخروجه فرَحَ الخصم الناقم، واستبشر استبشارَ من كان واجمًا مسجونًا، ثم ينهمك فيما كان فيه، وهو لا يدري أن تمكينَه مما يشتهي استدراجٌ من الجبار جل وعلا؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث عقبة بن عامر -رضي الله عنه-: (إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ؛ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ) ، ثم تلا: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذا هُم مُّبْلِسُونَ) [حسن الحافظ إسناده في (هداية الرواة: 5129) ، وهو أيضا في (الصحيحة: 413) ] .
وقال الزمخشري -رحمه الله-:"لم يزيدوا على الفرح والبطر من غير انتداب لشكر، ولا تصد لتوبة واعتذار" [الكشاف 2/22] .
فاختر لنفسك يا من صُمْت خلال شهر رمضان وقمت، وبكرت إلى المسجد مواظبًا على أداء الصلاة مع الجماعة، وعزمت على هجر صحبة السوء، والشروع في توبة نصوح؛ ترجو عفو الله وستره...
اختر لنفسك بين فرحتين: فرحةِ محسن مقيم على إرضاء مولاه؛ صام وقام وسارع إلى الخيرات؛ فازداد حبا لله، وأنسًا بكتابه، وتعلقا بمرضاته..
وفرحةِ مسيء مغرور لم يَرْعَوِ ببيناته وهداه، لم يزَل صارفُ التسويف ينسيه الذكرى ويُقصيه إلى أن يُحرَم ذريعة الاستدراك، فيقول: (رَبِّ ارْجِعُونِ) ، ثم يقال له (كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) .
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.