وهذا تذكيرٌ بلزوم أداء الحقوق إلى أهلها، في زمن تهاون فيه كثير من الناس بحقوق الأجراء والعمال؛ يستأجر الواحد منهم أجيرًا فيؤدي عمله كاملاً، فيدفع الطمعُ صاحبَ العمل إلى المُمَاطَلَة والتأخير في دفع الأجرة، ولقد ازْدَحَمَتِ المحاكم بكثرة الدعاوى، واشتكت المكاتب المسؤولة من كثرة الشكاوى. وهذه الظاهرة الظالمة تَنُمُّ عن قسوة قلوب كثير من المستقدمين والمستأجرين للأجراء، وتظهر مدى جشعهم وطمعهم واستبدالهم شكر نعمة المال كفرًا، فنعوذ بالله من نفوس لا تشبع، ومن قلوب لا تخشع.
أيها الإخوة: إن من أعظم الظلم في الاستئجار والاستقدام أن يُفضَّل الكافر على المسلم، فيستقدمُ صاحبُ العمل خدمًا أو عمالاً كافرين، رجالاً كانوا أم نساءً من بلاد فيها مُسْلِمون محتاجون إلى هذا العمل، لا يراقب الله في صنيعه هذا، ولا يهتم لمسألة الوَلاء والبَرَاء، ويتذرَّعُ بِحُجَجٍ واهية من دعوى أن الكافر أتقنُ لعمله من المسلم، وأحفظُ للأمانة، وأوفى بالعهد، وغير ذلك مما يردده - وللأسف - بعضُ المسلمين.
وما عَلِمَ هؤلاءِ أن الأصلَ في الكافر الخيانة والغَدْر؛ لأنَّ مَنْ خانَ اللَّهَ في عبادته، وخان رسوله في اتباعه فهو أَوْلَى بِكُلِّ خيانة.
لكن تأبى بصائرُ هؤلاءِ إلا أن تَعْمَى عن الحق، ويأبى نظرُهم إلا أن يكون ضيقًا محدودًا، ينخدع بتمسكنِ الكافر، وإظهار إخلاصه وإتقانه، وقد أشار الله - تعالى - إلى هذا الإعجاب بالكافر وبيَّن أنَّ الخيريَّة هي في المؤمن مهما بلغ الإعجاب بالكافر، فقال عز من قائل: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} [البقرة: 221] نعم والله، ولو أعجبكم شكله ومظهره، وما يظهر من أمانته وإتقانه؛ فإنَّ المؤمِنَ يَبْقَى خيرًا وأفضل ولا سيَّما أن الله - تعالى - قد خَوَّن الكافرين.