فهرس الكتاب

الصفحة 1061 من 19127

إن الثمرة والحال كذلك: أن يشيع خلقُ الحياء، وتسود الفضائلُ، ويتجنب كثيرٌ من الناس الرذائلَ، ومواقف التهم. وبذلك تستقيم الحياةُ، وتستنير العقولُ، ويعرف كل فرد حقوقَه وواجباته.

وعندما تبلغُ الأمةُ هذه المكانة من النضج والرشد، فإنها ستقف للطغاة بالمرصاد، وسيجدون من يقاوم ظلمهم، ويفضح مواقفهم وأكاذيبهم.

فليس بدعًا بعد هذا أن تُبنى سياسة الظلمة وأعوانهم على اقتلاع بذور الخير، وقطع أيدي باذريها، وتشويه صورة الدعاة المخلصين، ومحاربتهم في أرزاقهم، وسمعتهم، ثم قتلهم في نهاية المطاف.

إن تاريخَ الجبارين والمتسلطين طافح بالفجائع والمآسي التي كان ضحاياها رموز الخير وأعلام الصلاح.

كما أن تاريخ الدعاة حافل بمواقف البذل والعطاء التي استعلى أصحابها بإيمانهم، وترفعوا فوق جميع المغريات، وأبوا إلا الالتزامَ بشمول الرسالة وتبليغها للناس كاملة، غير مبالين بما يصيبهم في سبيل الله.

وكانت حياتُهم شَجًى في حلوق الظلمة والجبارين، ودماؤهم هاجسَ رعبٍ يكدر على المجرمين دنياهم، ويشخص لهم ما ينتظرهم من سوء المصير، {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} .

وفي قصة زياد مع أبي المغيرة ما يجلي هذه الحقيقة:

روى ابنُ عساكر في تاريخ دمشق أنه: لما قدم زياد بن أبيه الكوفةَ سأل عن أعبد أهلها وأتقاهم لله؟

فقيل له: أبو المغيرة الحميري.

فأرسل إليه، فأتى، وله سمت حسن، ومنظر يدل على صدق مخبر. قال زياد: إني بعثت إليك لأمر خير.

قال أبو المغيرة: إني إلى الخير لفقير.

قال زياد: بعثت إليك لأمولك، وأعطيك، على أن تلزمَ بيتَك.

قال أبو المغيرة: سبحان الله‍! والله لصلاةٌ واحدة في جماعة أحبُّ إلي من الدنيا كلها، ولزيارة أخ في الله، وعيادة مريض، أحب إلي من الدنيا كلها، فليس إلى ذلك سبيل.

قال زياد: فاخرج، فصل في جماعة، وزر إخوانك، وعد المريض، والزم شأنك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت