فهرس الكتاب

الصفحة 10631 من 19127

أحدها: سبه من ليس أهلاً للسب، فإن الدهر خَلْقٌ مسخرٌ من خلق الله منقادٌ لأمره، متذللٌ لتسخيره، فسابُّه أولى بالذم والسب منه.

والثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد أعطى من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا يستحق الحرمان.

الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السموات والأرض، وإذا وافقت أهواءهم حمِدوا وأثنوا عليه، وفي حقيقة الأمر: فرَبُّ الدهر هو المعطي المانع، الخافض الرافع، المعز المذل. والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم للدهر مسبة لله - عز وجل - ولهذا كانت مؤذية للرب - تعالى - فسابُّ الدهر دائرٌ بين أمرين لا بد له من أحدهما: إما مسبة الله أو الشرك به، فإنه إن اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإنِ اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فهو يسب الله تعالى. اهـ [6] .

أيها الإخوة: ليس من سب الدهر أن يخبر عما وقع فيه من غير اعتراض أو تذمر أو لوم، كالإخبار عن البرد في ذلك اليوم، أو شدة الحر فيه، أو ما جرى فيه من حوادث ومشكلات من غير أن يتضمن إخبارُه لومًا أو تذمرًا ونظيره ما حكاه الله - تعالى - عن لوط - عليه السلام - من أنه قال {هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} [هود: 77] ، وكذلك قولُه - تعالى - حكاية عن يوسف - عليه السلام - من أنه قال {ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ} [يوسف: 48] [7] ، فوصْفُ ذلك اليوم بأنه عصيب، ووصْفُ السنين بأنها شدائد، هو مجرد إخبار لا اعتراض فيه ولا لوم؛ لذلك لم يكن محذورًا، وما يجري مجراه فليس بمحذور.

فاتقوا الله ربكم، واحذروا ما فيه خلل توحيدكم من الأقوال والأفعال؛ فإن العبد إذا فقد التوحيد الصحيح فقد السعادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت