فهرس الكتاب

الصفحة 10686 من 19127

وخفاء الحكمة من الخلق أو الشرع لا يعني عدمها، وإنما يعني عدم علمنا بها. والقاعدة المقرَّرة:"أن عدم العلم ليس علمًا بالعدم". أي: عدمُ علمنا بالحكمة لا يعني أنها معدومة فعلاً، وإنما غايةُ الأمر أننا جهلناها ولم ندركها.

ويجب أن نعتقد أن الله - تعالى - إنما أخفاها عنّا أيضًا لحكمة أخرى، فالحُكْم شُرع لحكمة، والحكمة أخفيت لحكمة، والإيمان بذلك يندرج تحت ركن من أركانِ الإيمان وهو الإيمان بالغيب.

وأما الأصل العملي فهو وجوب الامتثال لأمر الله - تعالى - واجتناب نهيه {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِينًا} [الأحزاب: 36] .

وعز المؤمن ورفعتُهُ هي في قيامه بالشريعة أمرًا ونهيًا؛ لأن هذا دليلٌ على عبوديته الصادقة لخالقه. وهذا لا يتأتى إلا لمن كمل إسلامه؛ لأن الإسلام هو الاستسلام للشارع الحكيم، والانطراح بين يديه انطراحَ العبد الذليل، والانقيادُ له تمام الانقياد بكل محبة وتعظيم، وإجلال وطواعية، ورجاء وخوف. فمن حقق ذلك كمل إيمانه، واستحقّ الجزاء الأوفى يوم القيامة من حكيم رحيم - جلّ جلاله - لا يخذل من وحده واستسلم لشريعته، واتبع أوامره، واجتنب نواهيه.

ألا فاتقوا الله ربكم - أيها المؤمنون - واستسلموا لأمره، ولا تكونوا كبني إسرائيل الذين قالوا: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [البقرة: 93] ، بل قولوا: سمعنا وأطعنا، ولا تتكلفوا ما لا علم لكم به فتهلكوا.

سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين [6] .

[1] أخرجه مسلم في الدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (2696) .

[2] انظر:"صيد الخاطر" (671) و"حجة الله البالغة"للدهلوي (1/106) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت