الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فإن العبدَ لا يكون موحدًا لله - تعالى - مؤمنًا به إلا إذا أيقن بأن الله - تعالى - حكيم فيما خلق وفيما شرع، ثم قاده هذا اليقين إلى الامتثال والإذعان لأحكام الشريعة التي أنزلت من حكيم خبير.
ولهذا الموضوع المهم أصلٌ عقدي، وأصلٌ عملي، فأما الأصلُ العقدي: فإثباتُ الحاكمية لله تعالى، والإيمانُ بأن له - جل جلاله - التصرف المطلقَ، والحكم التام، والمشيئة النافذة، يقضي ولا راد لقضائه، ويحكمُ ولا معقِّب لحكمه، فالكل في ملكه، وتحت سيطرته. فيجبُ على المسلم أن يعتقد أن الله - تعالى - يأمر بما يشاء، وينهى عما شاء، له كمالُ الربوبية على عباده، وهم مربوبون له ، خاضعون لأمره ونهيه، ليس لهم أن يعترضوا أو يمتعضوا. {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] ، {إِنِ الحُكْمُ إِلَّا للهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57] ، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68] ، {وَاللهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الحِسَابِ} [الرعد: 41] .
ومن ثم إثباتُ الحكمة له فيما خلق وما شرع، سواء أدرك المكلف الحكمة أم لم يدركها. وتلك هي عقيدة السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، خلافًا لما عليه كثير من الضُلاَّل قديمًا وحديثًا..