فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
حزم متاعه، واصطحب أسرته في سفر غير قاصد، وانطلق لوجهته، ولما حطت رحاله حيث يمم، قرر السكنى في أقرب موقع من حدود الوطن الحبيب، تحقق له ما أراد، فأقام في بيت ريفي متواضع، لكنه جميل، يقع فوق تلْعة مرتفعة وحوله جنة زهت أشجارها، وعذب ماؤها، وطاب هواؤها، لم يركن إلى الراحة والهدوء، بل كان يسير الساعات - ذوات العدد - بين الأشجار في سهل الأرض وحَزْنها، وفى تِلا عها والوهاد، يتأمل ملكوت الله - عز وجل - ساهماً عما حوله، متوهماً أنه في وطنه ودياره.
كان كل شيء يرشح وهمه إلى الحقيقة: طبيعة الأرض، نوع الشجر، برودة الهواء، وجوه الناس، ملابسهم، لهجتهم، أصناف الثمر والخُضَر، أنواع الطيور، طراز البنيان، ينابيع المياه، قطعان الماشية، حُداء الرعاء، غناء الحصادين، أهازيج الأعراس والأفراح، مراسم الدفن والعزاء، أرتال الشباب والشوابِّ غادين إلى الحقول أو رائحين، صور ومناظر، يشاهدها أنىّ سار، وحيثما أقام يسعده مرآها، ويطربه تكرارها لا يسأم من استعادة المشاهد، ولا يملُّ من رجْعِ الحديث.
إنه في لذة ونشوة، لم يجد لها مثيلاً منذ أمد بعيد، ولكم تمنى أن يدوم ما توهمه حقيقة ليستكمل لذته ونشوته، ويقنع نفسه أنه قد تخطى الحدود، وحطم القيود، وعاد إلى الربوع التي نمته، والأهلين الذين ولدوه، والصحب الأُلى افتقدوه، وكثيرا ما كان يغمض عينيه ويردد:
مُنًى إن تكُنْ حقًّا تكُنْ أجملَ المُنى وإلاّ فقدْ عِشنا بِها زمناً رغْدَا
وذات ليلة خرج من صلاة المغرب في المسجد المجاور لمسكنه، وهمّ بالتوجه نحو بيته حيث الأسرة بانتظاره، لتناول العشاء في ضوء القمر، فوق سطح المنزل كما جرت عادتهم منذ وصلوا مصيفهم، لكنه شعر هذه الليلة - وكان القمر بدراً - بدوافع خفية تحثه على السير خارج البنيان والتأمل في سكون الليل الساجي، وضوء القمر الزاهي، واستنشاق نسمات الشمال، وقد وصلت رخية عليلة من جهة الوطن والأحبة.