فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لم يستطع مقاومة خواطره ومشاعره، وانطلق يرقب سير القمر وانعكاس سناه على الصخور والأشجار، والأودية والهضاب، ولحظ تمايل ظلال الأشجار - مداً وجزراً - تبعاً لمداعبات النسيم وجهة هبوبه، فأثار هذا المنظر كوامن ما اختزنت نفسه من عواطف ،وما أجنّ صدرُه من هموم وأفكار، ومضى يدندن بكلام لا تكاد تسمعه أذناه:
إن كل شيء متحركٌ ومتغير في هذا الكون: الليل يغشى النهار {يطلبُه حثيثاً} ، والقمر قُدِّرت منازله {حتّى عادَ كالعُرجونِ القديمِ، والشمسُ تجريْ لمستقرٍّ لها ذلك تقديرُ العزيز العليمِ} ، والنجوم مسخّراتٌ بأمْر الله - عز وجل -، الماء يجري في الأنهار، والموج يتدافع في البحار، والحَبُّ يشقُّ الأرض صاعداً في نماء، الطير في الهواء، والسمك في الماء، وما ذرأ اللهُ - تعالى - من الأناسيِّ، والأنعام والدواب، كله يغدو ويروح، في حركة دائبةٍ منتظمة، تجدد شباب الحياة والأحياء
حتى الهواء، فقد أبى مألفَ اتجاهٍ واحد، بل تعددت مهبَّاته وأوقاته، ولولا ذلك لما عرفنا الصَّبا والدَّبُور، ولا الشمأل والجنوب.
نعم، إن كل شيء متحرك ومتغير، إلا هَّم قلبي، فإنه جاثم - في الصدر - لا يبرح مقيم بين الجوانح والحشا، لا يتحول، ولا يتبدل، توالت السنون بالبأساء والنعماء، وتعاقبت الأحداث بما سرّ وساء
وجد في الأمور أمور، تبدلت - معها - القيم، وتغيرت المفاهيم، وساد الغمر، واضطُهد العليم، توارى رؤوس الناس، وعلت الذُّنابى والفروخ، حصل كل ذلك - وغيره كثير - وما أقاسيه وأمثالي - من معاناة وهموم - ثابت، تزداد وطأته، وتشتد قسوته ولا نُحس له بين هذه المتغيرات بموضع ولا مكان!
سرح الرجل مع حديث النفس ونجواها، فلم يشعر بتعب ولا إعياء - رغم طول مسيره - ونسي أن الصِّبْيَةَ وأمهم ينتظرونه على سطح المنزل، لتناول العشاء تحت ضوء القمر.