فهرس الكتاب

الصفحة 10713 من 19127

عشنا مرحلتها بشمل جامع، وحظ راتع، العمر زهو، والحياة ربيع، فلكم تتوق نفوسنا لشتائها الممطر، وربيعها المزهر، وصيفها المقمر!

وكم كان يشجينا خريفها بجيوش غيومه - وهى تغزو الصيف في معقله - فتفل من عزمه وتكسر حدة حره، يرافقها هواؤه مفعماً بأنفاس الشتاء، منذراً كل ذي روح أن يأخذ الحيطة والحذر، مناصباً العداء كل مخضَر من الزرع والنبات مداهماً نضرة الأشجار، معرياً لها من زاهيات الحلل، ووشي الجمال، ناثراً زينتها في رحب السهول، ومضايق الوديان:

ورقاً مائتاً تهاوى على السهلِ فغنتْ به الصَّبا والدّبُورُ

فيا لها من منازل زايلتنا السعادة حين غادرناها، ووقف بنا رغد العيش عند مغناها، ولهي - رغم الرحيل عنها - محمولة في قلوبنا: حباً زاخراً، وحنيناً صادقاً، وذكرى دائمة، لا يقطعها بؤس، ولا يضعفها نعيم:

إنيْ إلى تلك المغانيْ عاشقٌ فيها هيامي والحبيبُ الأكرمُ

سائليها يا رياح الشمال، أما اشتاقت لبنيها الذين كانوا صدوراً في مجالسها، وبدوراً في جنباتها، وأزهاراً في زاهي روضاتها؟ يزيدون جمالها جمالاً، وخيرها عطاء!

أما تساءل روضها الأغنّ عن سبب غيابهم، وسر بعادهم؟

أترينه يحنّ إليهم كما يحنون إليه؟

أو يشتاقهم كشوقهم لماضي عيشه وسالف عهده؟

يا رياح الشمال، قصّي علينا - وأنت حديثة عهد بالديار - أحاديث السمر، وجلسات السهر وما يجري في نوادي قومنا والربوع.

أسمعينا حوار المتحاورين، وعتاب المتعاتبين، ومناجاة المحبين وهمسات العاشقين، انقلي إلينا صدى تغريد الأطيار، وحفيف الأشجار، وخرير الجداول، وأنات النواعير، وغناء الحصادين، وأهازيج الأفراح ونشيج الأتراح، وندب الثكالى، وأهات المعذبين، رددي على مسامعنا حُداء الرعاء وأنين الناي منهم في الأصائل والغروب، فطالما شجيت على الناي قلوب، وحنَّ مشتاق، وتذكر محزون، وبكى غريب!

خبريهم: أن نفوسنا إلى ديارنا مشتاقة ولمدارج طفولتنا توَّاقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت