فهرس الكتاب

الصفحة 10714 من 19127

نحنّ إليها حنين النيب إلي فصلانها، والطير إلى أعشاشها وغدرانها، نكاد نسير إليها على غوارب السحاب ونطير بخوافي العقاب، ولكنَّ السعد مُدْبر والجناح كسير.

وكيف لا نحنّ إلى ديار ناغينا الهوى في مهدها، ورضعنا أفاويق الحب من غمامها وفى ظلال دوحها، فكانت المرضع الرؤوم والقلب العطوف.

خبرينا عن الجداول والأنهار، والينابيع والسواقي، أمازال ماؤها عذباً زلالاً؟ أم ناله من التعكير والتكدير ما نال سواه؟ أما اشتاقت مياهها للأيدي المتوضئة؟

أوَ ما حنَّت رياضها للركع السجود؟

يا رياح الشمال، قصّي علينا أخبار البساتين والكروم، فعهدي بها تزهو جفناتها بعناقيد العنب، ويحاكى رمانها قناديل الذهب.

أما زال الأحبة - كسابق العهد - يهجرون المنازل والقصور ليتفيأوا ظلالها، ويسْمروا تحت معرشاتها، وينعموا بصافي هوائها، وطيب جناها، ونغمات أطيارها؟

آه، كم تشتاق النفس إلى أريج أزهارها، وشذي ياسمينها، وعطر ورودها ممزوجاً بأصوات المؤذنين، وتسبيحات الموحدين، وهم غادون إلى صلاة الفجر، ومنها عائدون.

بنفسيَ تلك الأرضَ.. ما أطيبَ الرُّبا وما أحسَن المصطافَ والمتربَّعا

ليت شعري أيصلنَّ الدهرُ ما تصرّم من ماضي عيشنا؟ وتَرجع عشيَّاتُنا بذيّاك الحِمى؟ فنفترش القش ببيدر البلد؟ ونخوض في السواقي والأنهار، ونجني من جنباتها الحَبَقَ والريحان؟ أيعود لنوادينا روادها، ولمجالسنا أنسها وصفاؤها، ويلتئم شملنا بالأحبة مثل ما كنا: إذ العيش غض والزمان خصيب!

جنب الغدير مقامُنا نتفيّا غصناً زاهرا

والطير تصدح فوقنا فتهيج حبّاً زاخراً

أيامُ عمر قد مضت والقلب غفلٌ مادرى

أن الزمان يخونه ويُجدُّ عيشاً آخرا!

هل سيرانا القمر - من جديد - في تلك البساتين والحقول، نساهر النجم ونرعى مسيره؟

كلانا ألِف السُّهاد، وعاف الرقاد، ولم يكتحل جفناه بغمض أو منام.

كان القمر ينتظر الأفول، ونحن نرقب تشقق فجر جديد، تلوح معه بشائر الفرج والتمكين لرسالة الخلود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت