فهرس الكتاب

الصفحة 10715 من 19127

إيه يا رياح الشمال، لقد جار غريمنا وقسى، حتى لكأنه طالبُ وَتْرٍ أضل غريمه فلا هو مدرك بغيته، فيشفي غيظ صدره، ولا هو ناسٍ ثأره، فيريح ويستريح، على أنه إن يكن ثمة جناية فلسنا جناتها، أو يكن هناك خيانة فلسنا أربابها، ولا أنصارها، لم نكن من دعاتها - علم الله - وكلنا بحرِّها اليوم صالي.

إي والله، لسنا من جناتها، ولا من دعاتها، ففيم نصلى بحرّها؟ وتنالنا - دون جناتها - آثار ضرها وشرها!؟

وجرمٍ جرَّه سفهاءُ قومٍ وحلَّ بغير جارمهِ العذابُ

يا رياح الشمال، ما حال مساجدنا وروادها، ومحاريبها وعبادها؟ أما زال الأذان على منائرها بلاليَّ اللحن، ووعظ منابرها سليم النهج؟

كيف شباب الدعوة وشيوخها؟ أما مازالوا يطلعون في سمائها أنجماً زاهرات، ويموجون بين سواريها أبحر خير زاخرات؟ ألا ليت الأمر كما نحب!

غير أن القلب - على البعد - يكاد يحس حزنها وأساها، ويسمع شجوها وشكواها، ولكأن هاتفاً من وراء السديم يجيب:

تغيَّر المسجد المحزون واختلفت على المنابر أحرار وعبدانُ

فلا الأذان أذانٌ في منارته إذا تعالى ولا الآذان آذانُ!

ويتجاوب مع رجع الصدى نبض قلبي، وعُرام مشاعري، ويغلبني الأسى والذهول لخفوت أَلَقِها، وضعف صوتها، وعجز أهلها.

آسى لمحنتها أرثي لغربتها الجرح دامٍ ودمع العين هتَّان

وبينما هو مستغرق في تأملاته ومناجاته أحس بنسمة شديدة البرودة تلامس وجهه، تلفت من حوله فإذا القمر يتضيف إلى الغروب، والليل قد مضى شطره أو يزيد! أفاق من شروده، وتنبه لما سببه غيابه من قلق لزوجه وأولاده، فعاد إليهم مسرعاً ليجدهم ساهرين - مع بقايا ضوء القمر - ينتظرون مقدمه.

كان القلق بادياً على الوجوه، وتحمل قسماتهم أكثر من سؤال واستفسار!

بادرهم بالتحية، وأخذ مجلسه بينهم، وأطلق تنهيدة مجهد، وأنشد متمثلاً:

بالشام أهلي وبغدادُ الهوى.. وأنا بالرقمتين وبالفسطاط إخواني

وما أظن النوى ترضى الذي صنعت حتى تُشافِه بي أقصى خراسان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت