وهل كان غريبًا أن ينظر الغرب المتخلف - يومًا ما - إلى الشرق نظرة إعجاب وتقدير وامتنان، حتى أدرك الغرب أنه لا يستطيع أن يقيم دعائم حياة كريمة إلا إذا استفاد من تراث الحضارة الإسلامية واستوعبها، وحاول مواصلة السير على منهاجها، حتى إنهم أخذوا يتعلمون لغتنا، وينقلون علومنا وفنوننا، بل استفادوا من أساليبنا في الحياة، ومن الموسيقا والشعر والغناء، فهذا هو الشاعر الكبير (( دانتي ) )في الكوميديا الإلهية يقتفي أثر شاعرنا الكبير أبي العلاء المعري في رسالة الغفران.. والصورة الحقيقية لحضارتنا أنها أقامت بناءها الشامخ الخالد، على دعائم ثابتة من حرية الفكر، فأنجبت نخبة فريدة من عمالقة الرجال في شتى فروع المعرفة الإنسانية.
أما عن دعاة التمرد وأدعياء الحرية فكل ذلك بمثابة (( بدعة ) )ليتشبث بها الضائعون والتائهون، وأسموها فلسفة، إنها لا ترمز إلا إلى الانعتاق من كل مسئوليات العقائد، والانفلات من كل القيم... والغريب أن المروجين لهذه الشعارات يسمونها (( موقفًا ) )وأحيانًا يدعونها (( وجودية ) )و (( تعبيرًا عن الذات ) )بل يحاولون أن يضعوا لها القواعد والأصول، وقد تكون لهذه (( البدع ) )الفكرية في أوروبا ما يسوغها، لكن في الشرق المستعبد الممزق التائه، يلتقطونها ويروِّجون لها، ويتخذونها دينًا جديدًا، فيسقطون في خطر داهم، وفناء محتم.. وهو الخراب الفكري والعقائدي.
إن من ينظر إلى صحفنا ومجلاتنا ومطبوعاتنا في السنوات الأخيرة يستطيع أن يقرأ بوضوح سوء المصير، ويشم رائحة الضياع والحسرة. والأديب الإسلامي الملتزم رجل عقيدة وفكر، رجل حركة وعمل، يسترخص كل شيء في سبيل عقيدته، ولا يقيس المعارك بحساب الحياة والموت، والخوف والخسائر المادية، وإنما يقيسها بالعمل الجاد والجهاد وبمقاييس الحق والعدل.
لكل فكرة موقف