وحين التأمل والتفكير العميق يزول الإشكال، ويضمحل الاستغراب ونجد الجواب ونكتشف الحكَم الكثيرة الجليلة للشارع الحكيم - تبارك اسمه وتعالى شأنه - إن من الثابت ومن المعروف أن المرأة مصدر فتنة للرجل وذلك لما ركب الله في الرجال من الغريزة الجنسية التي غرضها بقاء النوع الإنساني ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصرح بذلك فيقول: (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) ) [5] . بل إن الرجل الحازم العاقل لتغلبه النساء كما بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن ) ). وفي رواية (( لذوي الألباب، وذوي الرأي منكن ) ) [6] . ولذلك كان من الطبيعي أن يرغِّب الشرع الحنيف في قرار المرأة في البيت، ويزهدها في الخروج منه، كي يقلل من هذه الفتنة ما أمكن، ولكنه مع ذلك علم الله - تعالى - أن في خروج المرأة إلى المساجد خيراً عظيماً لا يتوفر في البيوت، ومن الخسارة الجسيمة حرمانها منه، ولذلك كان هذا التوجيه الكريم.
وليس هذا غريباً ففي الحياة كثير من الأمور التي يجتمع فيها الخير والشر، وكلنا إن شاء الله - تعالى - يذكر قوله - سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219] ، ولذلك قال العلماء: ليس العلم أن تعرف الحلال والحرام فهذا يعرفه كل أحد، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (( الحلال بين والحرام بين ) ). [7] بل وتعرفه الهرة، كما قال الأستاذ علي الطنطاوي - رحمه الله.