فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والفعل في الجملة مصدر بسين الاستقبال، وهذه السين قد حققت إحساس السامع يقرب هذا اللقاء، وقد عدل البيان النبوي عن (( سوف ) )وهو أيضاً حرف استقبال ولكنه يدل على تحقق الفعل بزمن أبعد، وربما كان في استخدامه في ظاهر الحال أكثر دلالة على السين، إلا أن (( السين ) )فيها من دلالة القرب ما يشعر أن الأمر واقع لا محالة، ليكون ذلك الإحساس باعثاً على التعجيل بالإلتزام والتمثل والتطبيق.
وحين تحقق السين هذا الإحساس دون سوف الدالة على التراخي الزمني فإن البلاغة النبوية قد حققت مبدأ المطابقة لمقتضى الحال بدقة متناهية متساوقة مع القدرة المتميزة لأعلى ذروة البلاغة البشرية أن تبلغها أو أن تحققها.
ونقف عند الفعل (( فليؤدها ) )وهو مضارع مجزوم بلام الأمر جاء جواباً لشرط لا يحتمل إلا هذه المباشرة التي وضحت الحكم بكل أبعاده، فالأمانة ينبغي أن تؤدى، وإذا لم يكن هناك سبيل إلى غير ذلك فلا مناص للمخاطب إلا أن يفعل.
والأمر هنا حقيقي، وحقيقته هي من مقتضى الموقف الذي يتطلب ذلك، وقد سبق أن عرضنا لدلالة الأمر الحقيقي.
ويلفت أنظارنا أن المقاطع التي تصدرتها أدوات توكيد تخللتها مقاطع خلت من تلك الأدوات، مع أن مقتضى الظاهر أن تتصدر بها، لأن مضامينها ليست أدنى درجة من الأهمية عن مضامين تلك الجمل المؤكدة التي تكتنفها قبل وبعد.
(( ومن هذه المقاطع قوله(صلى الله عليه وسلم) :
(( تظلمون ولا تظلمون ) )
(( قضى الله أنه لا ربا ) )
والجواب عن ذلك يتطلب النظر إلى الموضوع من جهتين:
الأولى: أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) استشهد بآية كريمة، والاستشهاد لا يحتمل الإضافة والزيادة.
الثانية: أن الاستغناء عن أدوات التوكيد في عرف البلاغيين لأمرين: إما أن المخاطب خالي الذهن، أي أنه غير متردد في قبول الحكم، أو غير منكر له حتى يتطلب أداة للتوكيد، وأما أن المتكلم ينزل المتردد أو المنكر منزلة خالي الذهن، لأن الموضوع مما لا يحتمل شكاً أو إنكاراً.