فهرس الكتاب

الصفحة 10918 من 19127

ثم أعقب ذلك بصيغة إنشائية: اللهم هل بلغت... والصيغة المعتمدة هي الاستفهام، ليستوثق من يقظة المسلمين وتجاوبهم فيسمع منهم الجواب الذي يبعث في نفسه الطمأنينة على أن ما زرعه من كلمات إنما هي هي الشجرة التي ضربت بجذورها في الأعماق، وسمقت إلى الأعالي باسقة ظليلة آنية ثمراً طيباً.

وهنا تستوقفنا الصيغة الاستفهامية لنسأل أنفسنا: هل جاء الاستفهام في هذا الموضع حقيقة أم مجازاً؟

أود أن أعرض للأمر من جانبين: كل جانب يجدد مسار هذا الاستفهام.

الجانب الأول: يتصل بالرسول (صلى الله عليه وسلم) مبلغاً للأمانة، فقد عدل عن الصيغة الإخبارية على النحو الذي ورد في أول الخطبة (( وقد بلغت ) )لكي يأتي التقرير أشد في النفس وأوقع، وادعى إلى الطمأنينة.

أي أن الاستفهام مجازي خرج إلى التقرير والتثبيت.

أما الجانب الثاني: فهو مما يتصل بجمهور سامعيه حين حملوا الاستفهام على معناه الحقيقي، فأجابوا: اللهم نعم.

ونحن نعلم أن الاستفهام المجازي هو ما لا يحتاج إلى جواب، لأنه ليس من قبيل طلب حصول الفهم - كما يقول البلاغيون )) [26] .

وبذلك حققت البلاغة النبوية نمطاً فريداً من التعبير راعى فيه حالة المتكلم وموقفه مبدئياً ونفسياً، وراعى في الوقت ذاته المخاطبين وما هم عليه من موقف إزاء ما يلقى عليهم، فوجدوا أنفسهم أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) : يستفهم بقوله (( هل بلغت ) )ليجيء الجواب في إثره: اللهم نعم... وهو جانب يعزز الحالة النفسية للرسول المبلغ حيث استوثق أنه أدى الأمانة كاملة غير منقوصة.

ثبت المصادر والمراجع:

1 -إعجاز القرآن والبلاغة النبوية - مصطفى صادق الرافعي، ضبط وتحقيق محمد سعيد العريان - مطبعة الاستقامة مصر - 1945م.

2 -الإيضاح في علوم البلاغة - لجنة من الأزهر - إشراف محمد محيي الدين عبدالحميد - القاهرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت