فهرس الكتاب

الصفحة 11017 من 19127

ومن ذلك أن مشركي العرب بمكة قد رفضوا حصارَ الشِّعْب ونقضوا الصحيفة، وأما عربُ اليوم -إلا ما شاء الله وقليل ما هم- فلا تسل عن رذائل الأخلاق، ودناءة النفوس تجاه أهل غزة المظلومين.

لقد حوصر المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- وانحاز معه بنو هاشم، وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم،"فالمؤمن ديناً والكافر حميّة"،"فلما عرَفت قريش أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد منعه قومُه، أجمع المشركون من قريش على مُنابذتهم وإخراجهم من مكة إلى الشعب، وقطعوا عنهم الميرة، واستمر الحصار ثلاث سنين، حتى هلك من هلك".

ومع هذا الحصار الخانق، إلا أن مروآت العرب أسقطت هذا الحصار، ونقضت تلك الصحيفة الظالمة، بل إن هذه المروآت تبدو ظاهرة جلية في انحياز كفرة بني هاشم وبني المطلب حميّةً لقومهم، كما أن هذه المروآت استمرت في أثناء الحصار، فهشام بن عمرو يأتي ليلاً بالبعير قد أوقره طعاماً بالليل حتى يدفعه إلى المحاصرين في الشعب، ويأتي بالبعير قد أوقره بُرّاً فيفعل مثل ذلك، ولما عوتب في ذلك من قبل مشركي قريش، وبلغ ذلك أبا سفيان بن حرب -وكان مشركاً آنذاك-، قال: دعوه، رجل وصل أهل رَحمِه، أما إني أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن بنا.

ثم اجتمع بعضهم ليلاً في الحجون بأعلى مكة، وتعاهدوا على القيام في نقض الصحيفة، وتحقق ذلك وأنشد أبو طالب -عم رسول الله صلى الله عليه وسلم- في مدح هؤلاء النفر الذين نقضوا الصحيفة، فمما قاله:

جزى الله رهطاً بالحجون تتابعوا على ملأ يهدي لحزْم ويُرْشِدُ

قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا على مهل وسائر الناس رُقّدُ

(انظر سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد لمحمد الصالحي 2/502، 503، 543، 545) .

أرأيتَ إلى أخلاق العرب ومروآتهم حيال هذه النازلة، إذ لا تفارقك تلك المروآت سواء قبل الحصار أو في أثنائه أو بعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت