وإقبال هذه الفئات على تجديد إيمانها وإخلاص الدعاة لها وصدقهم في دعوتها؛ جعل مثقف اليسار العربي يحار بين نظريات تفجر الثورات وتحرك الشعوب على مُسَوَّدات الكتب وصفحات الجرائد والمجلات، وبين واقع معيش يُظهر تشبث تلك الشعوب بدينها والتفافها حول شريعة نبيِّها، وسرعة تأثير دعوة الإسلام فيها. فتأكد لغير واحد مِن أمثال هذا المثقَّفِ الحائِرِ أنَّ المدارس الفكرية المادية والليبرالية ليست دواء ناجعًا لكل مشاكل العالم العربي الإسلامي بحُكْم أنها تفترض قبل قيامها، كلٌّ حسَب أيديولوجيتها،"تكوين تقليد للتفكير والكفاح، وطليعة واعية يحركها إيمانٌ قويٌّ، ومسيرة طويلةٌ إلى الحُكْم، فضلاً عن ظروف تاريخية ملائمة. وإلا يكون ذلك جدلاً لفظيًّا، وذريعة لطموح طائفة تغطي ولعلها تعمق النقائص الهيكلية الدائمة" [8] ، وإن الشعوب الإسلامية المخاطَبة بفكر تلك المدارس الغريبِ عن تراثها وأصالتها، والمعاكس لطموحاتها وآفاق مستقبلها، لا ترغب في الابتعاد عن دينها وعقيدتها؛ لكون هذه العقيدة علاوةً على صدقها وحقيقتها لا تقف معارضًا لركب الحضارة، وليست عائقًا في طريق النهوض بالأمة نحو التقدم والرقي بقدر ما هي المحرك والدافع لمجهودات ومقدرات هذه الأمة نحو الحضارة الراقية والازدهار المستمر. ولتأكدهم هذا مَرَقَ العديد مِن مثقفي اليسار مِن صفوف تَكَتُّلاتهم الحزبية ومدارسهم الفكرية، وأقبلوا على دراسة الإسلام؛ ليعيدوا نظرتهم إليه بعيدًا عن الآراء الاستشراقية والافتراءات المعادية.