وإذا كان القسم الأول قد تناولته أقلام بعض المفكرين الإسلاميين المعاصرين بالبحث والتحليل، وتجلَّى للعيان مضمونُه وأهدافُه، وأساليبُه ووسائِلُه، فإن القسم الثاني بحُكْم تستُّرِه بستار الدعوة لتجديد الدين، وإحياء علومه وفنونه، وإعادة قراءة تراثه وكتابة تاريخه، لم يَنَلْ حَظَّهُ منَ الدراسة، ولم تسلط عليه الأضواء بالقدر الكافي، الذي يجعله بارزًا واضحًا لا غُبَارَ عَلَيْهِ خاليًا من كل أثر للتمويه أو التزييف.
من هذه المشاريع مشروع"إعادة القراءة للقرآن"للدكتور محمد أركون، وهو مشروع جزئي يدخل ضمن مشروعه العامّ المتعلق بإحياء جديد لعلوم الدين على ضَوْءِ ما استَجَدَّ من علوم في ميدان الآداب والعلوم الإنسانية كالألسنية والبنيوية والأنتروبولوجيا وغيرها. وحسَب ما وصل إليه عِلمُنا فإن مشروع محمد أركون لم يُتناول بالبحث والتحليل أو النقد والدراسة، لا من طرف المفكرين الإسلاميين ولا من طرف المفكرين اليساريين أو العلمانيين بشقَّيْهِم: الليبرالي والاشتراكي الماركسي، وإنما اكْتُفِيَ بتمجيده والإشادة به، وترجمة بعض مقالاته ونصوصه في بعض المجلات والدوريات العربية.
لذا، ولخطر هذا المشروع على مستقبل الدراسات الإسلامية بجامعاتنا العربية، ولفتح نافذة على التيارات المعاصرة الراغبة في قلب الدِّين رأسًا على عقب [10] ، رأينا أن نقوم بجولة في أروقة القاعة الفكرية المجسدة لفكر ومشروع محمد أركون، والوقوف على بعض آرائه ومقترحاته ومدى صلاحيتها لتجديد الدين وإحياء شرعه القويم.
وسينقسم بحثنا إلى أربعة فصول هي:
1-الفصل الأول: من هو محمد أركون؟ وفيه سنعرف بصاحب المشروع وبمؤلفاته وبعض ما قيل فيه وكتب حوله.
2-الفصل الثاني: لماذا محمد أركون؟ وسنتناول فيه الأسباب التي دعتنا لدراسة مشروع محمد أركون دون بقية المشاريع المقترحة والمتداولة بالساحة الثقافية.