فهرس الكتاب

الصفحة 11343 من 19127

وجلاد من أول لحظة تدخل فيها تلك الكلمة، تدعوه إلى الإقبال إلى بيت الله، يعيش الصراع: هل أحج هذا العام أم أرجئه إلى العام القادم؟ يعيش أول ما يعيش

في صراع مع نفس متخاذلة عن طاعة الله متثاقلة؛ يصارعها، يجالدها، يجاهدها، ثم مع الزوجات، ثم مع الأبناء والبنات، ثم مع الأموال والتجارات: أأحج أم لا أحج؟! أأنتظر أم أبادر؟! حتى يشاء الله - عز وجل - أن يختاره في الركاب، فإذا عَقَدَتِ النفسُ النيةَ، وعقد القلب العزم على المسير إلى الله، والانتقال إلى رياض رحمة الله، إلى البيت العتيق، حتى إذا صَدَقَ عزمُه، وقوي يقينه، عندها تكون أول وقفة لنا مع الحاج إلى بيت الله الحرام، إذا عَقَدَ الحاج النية، أوعقدتَ الحج إلى بيت الله الحرام، كانت أول وقفة حينما تشد الرحال، وتعزم على المسير إلى الكبير المتعال، فتقف على الباب؛ لكي تنظر إلى الابن والبنت؛ لكي تنظر إلى الأخ والأخت؛ لكي تنظر بدمعة تسح على الخد لفراقهم، حتى إذا أصابت سويداء قلبك تلك الحسرةُ على فراقهم، إذا بنداءٍ من الأعماق يذكِّرك بيوم عظيم، يذكرك بساعة من فراق، وأي ساعة فراق؟! تناديك نفسك: يا عبد الله، اليوم تودعهم وأنت قادر على الوداع بكلمات رقيقات، فكيف إذا انقطع الأثر وخسف البصر، وجرى القَدَر؟! كيف بك إذا أصبحت أسيرًا للمسير إلى الله؟! فلذلك يتحرك في النفس داعي ذِكْرِ الآخرة، تتحرك في سويداء القلب تلك العظةُ البالغة: اليوم تُودعهم وغدًا يُودعونك، واليوم تَنظر إليهم وغدًا يَنظرون إليك، اليوم تبادلهم الكلمات، فمَن لك إذا انقطع لسانك، ووجل جنانك، ولم تستطع أن تبيح بما في النفس من حسراتها؟! فهذه أول وقفة، ومِن هذه الوقفة إلى ختام الحج، تنتقل من مرحلة إلى مرحلة، تُذكِّرك بالآخرة؛ فتجيش في النفس عبرتها، وتُحرِّك في القلوب خشوعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت