فهرس الكتاب

الصفحة 11344 من 19127

أما الوقفة الثانية، فبعد لحظات يسيرة فارقتَ الأهل والإخوان، وودعتَ الأحباب والخلان، فإذا بأوامر الشرع تأتيك عند الميقات: انزع ثيابك، وتجردْ عن مخيطك، واغتسل لحجك وعمرتك؛ فاستجبتَ ولبيتَ، وقلت: سمعًا وطاعة، فغسلت واغتسلت، وأزلت عنك الثياب، وما إن رفعت الثوب عن الجسد حتى تحركت في النفس أشجانها، وانبعثت في القلوب أحزانها؛ اليوم أزيل لباسي، فكيف بغدٍ إذا أزيل عني لباسي؟! اليوم أرفع ثوبي، وأجرد عن مخيطي، فكيف بي غدًا إذا جردت من الثياب، وولجت من ذلك الباب، مسيرًا إلى رب الأرباب؟! اليوم أغسل نفسي، فكيف بي غدًا إذا أغسل؟! وكيف بي إذا أكفن؟! وما هي إلا لحظات حتى تلبس الإزار والمخيط، وتنخرط مع تلك الجماعات: تلبية، توحيدًا، تكبيرًا، تمجيدًا، لا إله إلا الله! ما أعزها من خُطًا عند الله! وما أكرمها من وفود على الله! منذ أن تجردت من لباسك، وأصبحت في عداد المحرِمين؛ كأن هيئتك تقول لك: الآن أصبحت مع المحرِمين، وغدًا ستصير في عداد المغتربين؛ كما أن صاحب الإحرام تحظر عليه محظورات الإحرام؛ فلا طيب، ولا متعة من الأمور المرفهة، كذلك إذا أوسد في لحده، واضجع في قبره، فكأنه في المرحلة الثانية بعد لبس إزاره وردائه، فالله أكبر، ما أجلها من عظات! الله أكبر ما أعظمها من آيات! دلت وشهدت بوحدانية رب البريات، وسارت الخُطا على تلك الأرض، التي والله مارفعتَ قَدَمًا، ولاحططتَ أخرى إلا سطرت في ديوانكَ، ولقيت بها ربًّا يبيض بها الوجوه إذا لقيه أصحابها، وسرت مع الوافدين في عِداد المسافرين؛ كأن سفر الحج يذكرك بالسفر الطويل، يذكرك بالمسير إلى العظيم الجليل، سرت معهم فرأيت عِبَرًا لا تنسى، وآيات عظيمة جلَّ مَن وضعها وعلا، تسير في الركاب فترى في السفر عجبًا، وأي عجاب! تسير مع الأصحاب والأحباب؛ لكي ترى - إن نظرت أمامك - إلى قفار ووهاد، إلى أشجار وثمار، إلى جبال وأنهار تذكر بالواحد العظيم القهار، ما تقدمتَ ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت