فهرس الكتاب

الصفحة 11350 من 19127

أحبتي في الله، يوم عرفة وما يوم عرفة؟! كل مَن حولك يحرك وجدانك، كل مَن حولك يحرك إحساسك، إن كان القلب قاسيًا، والله يصير خاشعًا؛ تسمع هذا يبكي، وهذا يشتكي، وهذا يشجي، فتقول سبحان الله! مَن لهذه الحاجات سوى الله؟! مَن لهذه الدعوات غير الله؟! جاءوا إليه من بلاد بعيدة، وقطعوها في أزمنة مديدة، جاءوا بهموم لا يفرجها سواه، وكربات لا يُنفِّسها أحدٌ عَداه، جاءوا وكلهم يقين في أنه ليس لحاجتهم أحد غيره، وحق لهم ذلك، لذلك أحبتي في الله، وما هي إلا لحظات حتى يشاء الله - عز وجل - للعبد أن ينقضي موقفه، وتغيب عليه شمسه، ويأذن الله لأهل ذلك الموقف بالانصراف، وتأتي تلك الساعة العصيبة، والله إنها لمن أمر الساعات في الحج، وأعظم ساعة في الحج!! يتألم الإنسان فيها ساعة الانصراف من عرفة، لا يدري هل الله - عز وجل - قَبِلَ دعوته أم لم يقبلها؟! لا يدري هل أجاب الله سؤاله أم لم يجبه؟! لا يدري أمرحومًا أم محرومًا؟! لا يدري أيعطيه أم يحرمه؟! فلذلك يبلغ بالإنسان من الشجى والأسى ما لا يعلمه إلا الله، أأفيض ربي؟! فهل أنت راضٍ عني أم لست راضٍ عني؟! يناديه بقلب متقطع منفطر: ربَّاه إن لم ترضَ عني فارضَ عني قبل أن أفارق موقفي! يناديه بحسرة، يناديه بقلب متقطع شوقًا إلى رحمة الله، حتى لا يكون محرومًا من عفو الله وفضل الله، لذلك - أحبتي في الله - فهي ساعة مؤلمة، ساعة تهز وجدان المؤمن، حينما يتذكر أنه ينصرف من ذلك الموقف، ولذلك كان بعض السلف إذا حضرت ساعة النفر من عرفة والدفع منها يشتد بكاؤه، ويعظم تضرعه إلى الله تبارك وتعالى، وقال بعضهم: والله لو نادى منادي الله في أهل هذا الموقف: قد غفرت لهم إلا واحدًا، لعددت نفسي ذلك الرجل. حتى إذا سرت بين الشعاب، وسرت بين تلك الوهاد، فلا إله إلا الله! كم يسير عليها عبد كيوم ولدتْه أمه من ذنوبه! لا إله إلا الله، يدفعون من عرفات، دخلوها مثقلين، يخرجون منها من الذنوب والخطايا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت