-تبارك وتعالى - وذكرُ الله أعظم ما فاهت به الأفواه، فسبحان مَن ذلت له الأشراف، أكرم مَن يُرجى ومَن يُخاف.
وإذا لم يذل العبدُ لربه فلمَن يذل؟! ثم ارمِ بطرْفك إلى هذه الأمم التي اجتمعت على عرفات؛ ذابت أنسابهم، وذهبت أحسابهم، وأصبحوا لا تستطيع أن تفرق بين الغني والفقير، لا تستطيع أن تميز بين الجليل والحقير، أكف إلى الله رافعة، وعيون من خشيته دامعة، وقلوب وأفئدة لجلاله منكسرة، كم فيها من مظاهر! تراهم كأنهم على صفة رجل واحد؛ ولكن بين بعضهم وبعض من الفضل والدرجات؛ كما بين السماء والأرض، بماذا؟! بالقلوب.. وقفوا في تلك المواقف وقلوبهم متباينة في الإجلال والإعظام والانكسار والذكر للعظيم القهار، لذلك يوم عرفة يوم مشهود، ويوم يذكرك هذا اليوم، يذكر بالموقف بين يدي الله عز وجل، ولذلك إذا وقف العبد بعرفات، ونظر إلى تلك البريات، ونظر إلى تلك الأصوات والصيحات، فسبحان مَن عَلِم لغاتها! وسبحان مَن ميَّز ألفاظها! وسبحان مَن قضى حوائجها! لا يخفى عليه صوت، ولا تعجزه حاجة، أحد فرد صمد، لا يعييه سؤال سائل، لذلك - أحبتي في الله - فالنظر في حال يوم عرفة يُذكِّر بالله تبارك وتعالى، وقف بعض السلف مع بعض الخلفاء، فجاءت صاعقة والناس وقوف بعرفة، ففزع الناس فزعًا شديدًا، وفزع الخليفة سليمان - رحمه الله - فزعًا شديدًا من تلك الصاعقة، فقال له عمر: يا أمير المؤمنين، هذه بين يدي رحمته، فكيف بالتي بين يدي عذابه؟! إذا كان هذا والناس ينتظرون المطر، وهم وقوف بين يدي الله يرجون رحمته، فكيف إذا وقفوا بعرصات يوم القيامة؟! وكما ثبت بالخبر يقول: لقد غضب الله في هذا اليوم غضبًا لم يغضب قبله قط، لم يغضب مثله قط! وهذا يدل على عظيم الموقف بين يدي الله - تبارك وتعالى - اللهم سلمنا من ذلك الموقف، اللهم سلمنا منه بعظمتك يا عظيم، ورحمتك يا رحيم!!