والله يسير العبد إلى الموقف والخُطا ثقيلة، يسير إلى الموقف بخطًا ثقيلة حينما يتذكر الذنوب فيما بينه وبين الله، يسير وهو ينكسر إلى العلي الكبير، يسير وهو يحس من نفسه أن الذنوب تؤرقه، وأن الخطايا تحطه وتهده، حتى إذا صار إلى موقفه، ووقف بين يدي الله - تبارك وتعالى - نسي الدنيا وما فيها، وأَقْبَلَ على الله يناجيه ويناديه بين لوعتين: لوعة الماضي، ولوعة المستقبل؛ أما الماضي فبينه وبين الله حدودٌ طالما جاوزها، ومحارم طالما أصابها، وبينه وبين الله حدودٌ لعباده أصابها، وحقوق لخلقه ضيعها، فإذا صار العبد إلى ذلك الموقف، يسير بذلك القلب الخاشع الذليل، ويا لله ما أعظمه من موقف! لو أن الإنسان استشعر تلك الساعة المباركة، التي يدنو الله - عز وجل - فيها دنوًّا يليق بجلاله وعظمته لأهل الموقف، ويقول لملائكته: ما أراد هؤلاء؟ يقول بعض العلماء: استفهام إجلال وإعظام وإكبار؛ أيْ: أيَّ شيء أراد هؤلاء؟ يدل على أن الله سيصيبهم من رحمته ورضوانه بما لم يخطر على بال، ماذا أراد هؤلاء؟ أينسى الله - تبارك وتعالى -؟! وما كان ربك نَسِيًّا!
تلك الخُطا التي قَدِمْتَ بها عليه، أينسى إذ تغبر الخطا إليه؟! أينسى الشعث الذي تقربت به إليه؟! حتى إن الإمام أحمد - رحمه الله - سئل: هل ينظر الحاج في المرآة؟ قال:"إن كان ينظر من أجل إصلاح شعره؛ فلا حتى لا يذهب شعثه"، يقول بعض العلماء: إن الله - تعالى - يباهي بشعث الإنسان وغَبَره، ولذلك استحب العلماء إذا كان الإنسان له إزار فاتسخ أو أصابه شيء من القذر، أن يقف به حتى يكون أبلغ في الذِّلة لله - عز وجل - حتى يكون أبلغ في التجرد من الدنيا؛ حتى يكون أبلغ في أنه يحس بالآخرة، وأنه والله ما قدم لكي يتعالى على عباد الله؛ ولكن ليَذل لله عز وجل، وحق - والله - للعبد أن يتذلل، وحق له أن ينكسر لله