يحسون معناها، ويتلذذون حلاوتها، ويصيبون فضلها وبغيتها، ثم إلى المشعر، وعند المشعر يفيضون إليه بقلوب مغسولة، مليئة بالخشوع، مليئة بالإنابة والخضوع، قلوب تعظم الله تبارك وتعالى، كيف وقد حُطَّت الخطايا؟! كيف وقد غسلت الرزايا؟! يقفون بالمشعر حتى إذا شاء الله - عز وجل - لهم منسكهم، فصلُّوا فجْرَهم، ووقفوا موقفهم، فأنابوا وتضرعوا ورفعوا الأكف إلى الله: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، يحسون بهيبة المشعر وجلال ذلك الموقف، يقفون وكلهم شوق إلى رحمة الله بعد أن أفاضوا وأنابوا إلى ربهم، ولرحمته أصابوا. ثم إلى مِنًى، ومن مِنًى إلى البيت العتيق؛ ليقضوا تفثهم، وليوفوا نذورهم، وليطوفوا بالبيت العتيق، ثم الأيام المباركات الأيام المعدودات، ذكر وشكر واستغفار وتعظيم للعظيم القهار، أيام مِنًى أيام الذاكرين، أيام الشاكرين، أحسوا بأن الله أصابهم برحمته، وأصابهم بعفوه ولطفه، فأخذت الألسن لا تفتر عن ذكره وشكره، وحق لها - والله - بعد أن أصابت رحمة الله أن تثني عليه، وكيف لا تثني عليه، وقد أعطاها عطاء هو العطاء في الدنيا؟! فليس هناك عطاء أعظم من أن يغفر الله ذنبك، وأن يضع عنك وزرك، وهي المنة التي امتنَّ الله بها على عباده، وذكرها منة على خير خَلْقه - صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين - وفي منى تلك الساعات الطيبات، تلقى فيها الوجوه مضيئة، تلقى فيها الوجوه مشرقة من آثار العبادة، تلقى فيها إخوانًا لك في الإسلام، تلقى إخوانًا لك في الدين، لم يجمعك بهم حسب ولا نسب، ولم تجمعك بهم قربى؛ بل لم ترهم عينك من قبل قط، ولكن ترى وجهه فتعلم أنه يشهد أن لا إله إلا الله؛ فتحبه وتسلِّم عليه، وتهنيه برحمة الله عليك وعليه! يا أحبتي في الله أيام مِنى أيام جمع للمسلمين، لا يليق بالمسلم وهو يسير أمام إخوانه إلا ومفشيًا للسلام ومحسنًا لهم بالإجلال والإكرام، إذا ضاعت أخوة الإسلام أيام منى،