وأنت مع إخوانك الطيبين المباركين، الذين أصابهم الله برحمته، فأين توجد أخوة الإسلام؟!! لذلك أحبتي في الله إنها الأيام الطيبات، أيام تتلذذ فيها الأسماع بالتكبير والتحميد، أين المكبرون؟ أين الحامدون؟ أين المهللون؟ أين الذاكرون؟ لقد كان الحج منذ أعوام يسيرة، كنا إذا مضينا إلى الجمرات - والله ثم والله - لا يفتر سمعك عن ذكر الله! الله أكبر ترتج بها أسواق منى! وترتج منها خيام منى! فأين تلك الصفوة المباركة؟! ما بالنا قد نسينا شرعنا؟! ما بالنا نظرنا إلى هذا الحج وكأنه طقوس لا معنى لها؟! لذلك - أحبتي في الله - حق لمن وقف بها، وحق لمن نزل إليها أن يرفع لسانه بالتكبير إعظامًا للعلي الكبير، وشكرًا للعزيز الغفور بذلك.
أحبتي في الله، وبعد ذلك.. وما بعد ذلك؟ يصير العبد إلى آخر مرحلة من حجه، وهي طواف الوداع وهي اللحظة الأخيرة التي يودع فيها الإنسان بيت الله الحرام، يودع فيها دار السلام، يطوف بذلك البيت؛ لكي يكون آخر عهده بالبيت طوافًا، ولطواف الوداع حلاوة، ولطواف الوداع لذة وطلاوة، طواف الوداع يذكِّرك بفضل هذه المنازل، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث عائشة - رضي الله عنها وأرضاها - أنها قالت:"كان الناس يصدرون من فجاج مِنًى وعرفات". كان الناس يصدرون؛ يعني يخرجون إلى ديارهم، ويرجعون إلى أمصارهم من فجاج منى وعرفات، فأُمروا أن يجعلوا آخر عهدهم بالبيت طوافًا، فإذا طاف الإنسان طواف الوداع، طافت به أشجان وأحزان؛ لأن العبد الصالح، من أقسى ما يؤلمه، وأشد ما يجده في دينه، مفارقةُ الطاعة والعبادة، ولذلك كان بعض السلف إذا كانت آخر ليلة من رمضان جلس يبكي، ويقول: ألا ليت شعري مَن هو المحروم فنعزيه! ألا ليت شعري من هوالمقبول فنهنيه!