عمد إلى الأمة العربية الضائعة وإلى أناس من غيرها فما لبث العالم أن رأى منهم نوابغ كانوا من عجائب الدهر وسوانح التاريخ، فأصبح عمر الذي كان يرعى الإبل لأبيه الخطاب، وينهره وكان من أوساط قريش جلادة وصرامة، ولا يتبوأ منها المكانة العليا، ولا يحسب له أقرانه حساباً كبيراً - إذا به يفاجئ العالم بعبقريته وعصاميته، ويدحر كسرى وقيصر عن عروشهما، ويؤسس دولة إسلامية، تجمع بين ممتلكاتهما، وتفوقهما في الإدارة وحسن النظام، فضلاً عن الورع والتقوى والعدل، الذي لا يزال فيه المثل السائر [17] .
للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم -الفضل الأكبر في رقي العالم كله:
ويبين المستر سنكس أن لمحمد- صلى الله عليه وسلم - الفضل الأكبر ليس فقط في رقي العرب بل في رقي العالم كله حتى اليوم، فيقول سنكس:
"ظهر محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد المسيح بخمسمائة وسبعين سنة، وكانت وظيفته ترقية عقول البشر، بإشرابها الأصول الأولية للأخلاق الفاضلة، وبإرجاعها إلى الاعتقاد بإله واحد، وبحياة بعد هذه الحياة ..."إلى أن قال:"إن الفكرة الدينية الإسلامية، أحدثت رقياً كبيراً جداً في العالم، وخلّصت العقل الإنساني من قيوده الثقيلة التي كانت تأسره حول الهياكل بين يدي الكهان، ولقد توصل محمد ـ بمحوه كل صورة في المعابد وإبطاله كل تمثيل لذات الخالق المطلق ـ إلى تخليص الفكر الإنساني من عقيدة التجسيد الغليظة" [18] .
وهكذا، ارتقى العرب ـ وغير العرب ـ ارتقاءً حضارياً ضخماً من عصور الجاهلية والظلام إلى عصور التحضر، بفضل دعوة النبي محمد- صلى الله عليه وسلم -.
ــــــــــــــــــــ
[1] إي?لين كوبلد: البحث عن الله، ص51، 66، 67.
[2] انظر: محمد شريف الشيباني: الرسول في الدراسات الاستشراقية المنصفة، ص 68 وما بعدها.