وقد تصور البعض أن انتهاء الحرب الباردة يتيح فرصة حقيقية أمام دخول الميثاق حيِّزَ التنفيذ؛ لكن هذا الأمل لا يلوح في الأفق الآن؛ ذلك أن"الأمم المتحدة"في شكلها الحالي ما هي إلا نتاج الحرب الباردة، وابنها غير الشرعي، ومن ثَمَّ فإن من المشروع جدًّا أن نتساءل حول ما إذا كانت هذه الصيغة برمتها صالحة للتعامل مع حقائق النظام الدولي المعاصر.
ولقد برز خلال السنوات الخمسين الماضية تطوران على مستوى التنظيم الدولي لم تشهد لهما الإنسانية مثيلاً من قبل في تاريخها المعروف.
الأول: أن جميع دول وحكومات العالم قد أصبحت، ولأول مرة في التاريخ، داخل إطار مؤسسيّ واحد، وهي ظاهرة لم تعرفها موجات التنظيم الدولي المتعاقبة منذ ظهور الدولة القومية في أعقاب مؤتمر وستفاليا عام 1648؛ أي: إنه ولأول مرة تتطابق حدود"التنظيم الدولي"جغرافيًّا ووظيفيًّا مع حدود"النظام الدولي"، مع فارق مهم وهو أن العضوية في"التنظيم"هي للدول ممثلةً في حكوماتها، بينما هي في"النظام"لكل الفاعلين الدوليين، سواء كانوا دولاً أم لا.
الثاني: أنه ولأول مرة أيضًا في تاريخ البشرية، تتحول الكرة الأرضية كلها إلى وحدة واحدة، أو ما يشبه الجسد الواحد الذي ترتبط أجزاؤه معًا بشبكة هائلة ومعقَّدة من المصالح، تشبه الدورة الدموية أو الجهاز العصبي المحرِّك لوظائف الأعضاء في الجسم الإنساني؛ فلم يَعُدْ بمقدور أي دولة مهما بلغ شأنها أن تدير مواردها البشرية والمادية، أو فضاءها الجوي، أو إقليمها البحري أو الأرضي بمعزل عن الآخرين.