فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
هذه الحقيقة تكفي وحدها دليلاً على أنَّ تطوُّر النظام الدولي قد تجاوز - من وجوه عدَّة - مفهومَ"الأمن الجماعيّ"كما عبر عنه الميثاق؛ فالميثاق ركَّز في الواقع صراحةً أو ضِمْنًا على مفهوم التهديد العسكري باعتباره مصدرَ الخطرِ الرئيس، والدليل على ذلك أن الميثاق لم يُخَوِّل مجلس الأمن سُلطة إصدار القرار الملزم إلا في حالة وجود تهديد للسِّلم والأمن الدوليّ، أو إخلال به، أو وقوع عدوان، صحيحٌ أنه لم يذكر صراحة أن هذا التهديد هو بالضرورة من نوع التهديد العسكري؛ ولكن ذلك مفهوم ضمنًا من نصوص الميثاق، والدليل على ذلك أن الرد الذي سمح به"الميثاق"حين خوَّل لمجلس الأمن صلاحياتِ وسلطاتِ التعامل مع هذا التهديد للسلم، أو الإخلال به، أو وقوع العدوان، هو رد عقابي، ومن طبيعة عسكرية في الأساس؛ لأنه يشتمل على إمكانية فَرْض حَظْر اقتصاديّ أو سياسيّ أو اجتماعيّ جزئي أو شامل، وكذلك على إمكانية استخدام القوة العسكرية؛ لقمع العدوان أو ردعه.
صحيحٌ أن وجود القوة العسكرية على نحوٍ دائم تحت تصرُّف مجلس الأمن، هو مسألة أساسيَّة؛ لأن الاعتقاد بعدم وجود أداة عسكرية تحت تصرُّف المجلس هو نوع من الضعف، الذي قد يُغري أو قد يُشَكِّل أحيانًا دعوة صريحة للعدوانية.
وصحيح أيضًا أن سلطة المجلس الملزمة في فرض العقوبات مطلوبةٌ أيضًا؛ لردع العدوان أو قمعه؛ لكن ذلك كله لم يعد يكفي للتعامل مع الأخطار المحدِقة بالسلم والأمن الدوليَّيْنِ، فعند وجود حالة تلوث بيئي مثلاً، أو مجاعة قد تُعرِّض حياة الملايين لخطر، فليس بوُسع المجلس أن يتخذ قرارًا ملزمًا وقابلاً للتنفيذ لمنع إقامة المفاعلات النووية من طراز معيَّن مثلاً، أو اتخاذ قرار بإسقاط ديون الدول النامية، أو فرض رسوم على الطيران، أو التجارة الدولية، أو لمواجهة كارثة من طبيعة بيئية أو اقتصادية أو اجتماعية، فذلك ليس من صلاحياته أو سلطاته.