ثم كانت حملة ثانية من جيش نظامي حطت رحالها في كيليكيا فاحتلت عدداً من مدنها واستولت على أنطاكية سنة 1096 قاومهم فيها جيش قادم من الموصل فلم ينجح في زحزحتهم عنها فهزم ثم تقدم الصليبيون فوصل منهم إلى القدس في 7 حزيران 1099 أربعين ألف مقاتل بعد معركة دامت يوماً ونصف اليوم وقد دخلها غودو فروادو بويون من ممر ودخلها النورمان من ثغر أحدثوه فيها فقتلوا جميع من صادفوه أمامهم . وقد انتخب غودو فلاروا ملكاً على القدس واستطاع أن يهزم جيشاً مؤلفاً من عشرين ألف مقاتل قدم من مصر . حقق بذلك الصليبيون أمنيتهم بعد أن قدموا في سبيلها خلال ثلاث سنوات ألواناً من التضحيات لم يسمع لها مثيل ولا يرقى لها وصف . تقاسم الصليبيون بعد ذلك سورية وفلسطين وأقاموا فيها ثلاث دول لاتينية هي دولة القدس ، ودولة أنطاكية ، ودولة طرابلس . وما لبثت هذه الدول اللاتينية أن حارب بعضها بعضاً كما هاجمهم أمراء حلب والموصل ودمشق والقاهرة حيث المقر الخليفي . وكان هؤلاء الأمراء المسلمون مختلفين اختلافاً لا يقل عن الاختلاف المتأصل بين الأمراء الصليبيين في الدول اللاتينية الثلاث وقد أقام الصليبيون قلاعاً ضخمة . ثم جاءت مرحلة فترت الحرب فيها وتأسست صلات تجارية بين الصليبيين والحكام المسلمين عرف خلالها الصليبيون أن المسلمين لم يكونوا كفرة وثنيين كما تصوره لهم خيالهم وأنهم مؤمنون فتأسست صلاة صداقة وتآلف بين المسلمين والصليبيين تطبعوا خلالها بأطباع الشرقيين واختلطوا بهم فسحروا بأساليب عيشهم ودماثة أخلاقهم كما تعلموا من صلاح الدين الرفق والحلم واللين وأدركوا تفوق الشرق على الغرب وما يتحلى سكانه من أدب رفيع وخلق قويم وتهذيب عال وحرية فكرية وما عليهم من تقدم صناعي وزراعي وعلمي وخبرة واسعة بالطب فأثر ذلك في نفوسهم فعادوا يقدرون معاني الحرية ويدركون أثر العلم في المجتمعات فرغبوا في الاقتباس مما عند المسلمين من تقدم وانسانية .