فهرس الكتاب

الصفحة 1169 من 19127

ومن القضايا التي ترزح تحت مُرهقِها كثيرٌ من الأمم والأقطار، والمجتمعات والأمصار، وكان أن طبَّ لَها الإسلامُ بأحكامه ونوره قضيةُ الفقر وشأن الفقراء؛ يقول عزَّ اسمه: {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19] .

ولِمَا يجلبه الفقر من كلٍّ، ولِمَا فيه من فَلٍّ ونأيٍ وكَلكَلٍ؛ استعاذ منه الحبيب المصطفى بقوله: (( اللهم إنِّي أعوذ بك من الفقر والقِلَّة والذِلَّة ) )؛ أخرجه أبو داود والنَّسائي.

ألم تروا إلى الفقير بين النَّاس مريضَ الجناب منكسِر الجناح، حليفَ همومٍ وأتراح، دونَ اقتراف إثمٍ أو جُناح؟! يحمِل بين أضلاعه من لواعب العِيلَة ما أقبر أُنسَه، وأنشر بؤسَه، وقضَّ مضجعه، وفضَّ من الحُرقة مدمَعَه، يقتاتُ من تباريحِ العَوَز ما أطال سُهادَه، ورضَّ من الأسى أمانيَه ومراده. يعيش الفقير وحُشاشتُه بجِمار العَدَم والخَصَاصة تُنهَب، وزفراتُه الكاوِيَة في الأحشاء تَلْهَب:

قَدْ عَضَّهُ الْبُؤْسُ الشَّدِيدُ بِنَابِهِ فِي نَفْسِهِ وَالْجُوعُ فِي الأْحَشْاءِ

فِي قَلْبِهِ نَارُ الْخَلِيلِ وَإِنَّمَا فِي وَجْنَتَيْهِ أَدْمُعُ الْخَنْسَاءِ

ولكن يا أمَّة العقيدة لكن، لا يغيبَنَّ عن شريف عِلْمِكُم أنَّ المال مال الله، وأنَّ الله مُسْتَخْلِفَكُم فيه، وأنَّ الذي أغنى هو الذي أقنى، وأنَّ التفاوتَ في الأرزاق حكمةٌ من المولى الرزَّاق؛ {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزُّخرف: 32] . يُمحِّص بها الأغنياء، ويبتلي الفقراء، وتلك الحكمة المطوية في قضائه وقَدَرِه، لا يتنوَّرُها إلا مَنْ غَمَرَه شعاع الإيمان، وسطع في قلبه نور الحكمة والإيقان؛ {كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت