فهرس الكتاب

الصفحة 11883 من 19127

ومن الظواهر الغريبة أنه كلما زادت العناية بالمظهر الخارجي للمسجد لم نجد وراء هذا المظهر إلا ضحالة وعجزاً وقصوراً عن وفائه برسالته، وكأنها عملية تعويض يراد من خلالها ستر هذا الفراغ!

إن أشد أبنية المساجد ضخامة وأعظمها فناً وزخرفة ينتمي لفترات من تاريخ المسلمين تخلفوا فيها ديناً ودنيا على نحو يجعل هذه الأبنية ظاهرة في حاجة إلى تفسير!!

ولو تساءلنا عن عوامل إزدهار المسجد ودوره في فترات سلفت من تاريخنا لوجدنا عاملين أساسيين يقفان وراء هذا الإزدهار:

أولهما: يرجع إلى المسجد نفسه ويتمثل في اقتدار المسجد على أداء دوره في توجيه الحياة.

وثانيهما: يرجع إلى المجتمع ويتمثل في الطابع الديني الذي كان يسيطر على حياة الناس ويصبغها صبغة دينية شاملة.

ويضاف لهذين العاملين عامل ثالث يكملهما: ذلك أن مجتمع تلك العصور لم تكن فيه مؤسسات إجتماعية تزاحم المسجد وتنافسه في دوره الذي كان يستقل به غير مشارَك ولا مدافَع!

فقد قضى تطور المجتمع أن تقوم فيه مؤسسات متنامية أخذت لها أدواراً تضطلع بها فقامت المدرسة إلى جانب المسجد وأصبحت هي المسئولة عن مهمة تعليم النشء وتربيته! وتحولت مظاهر الحكم والسلطان من (( المسجد ) )إلى مواقع أخرى في المجتمع تمارس فيها ومنها عمليات التشريع والتوجيه والتخطيط والتنفيذ الكبرى ذات الأثر البعيد في صياغة الحياة!

بل إن أخص وظائف المسجد وهي (( التوجيه الديني ) )بوجه عام يزاحمه فيها الآن مؤسسات اجتماعية كثيرة يتوافر لها من الإمكانات المادية والبشرية والفنية ما لا يتوافر أقله للمسجد!!

وأخطر من هذا أن الأمر تجاوز المزاحمة والمنافسة إلى المناهضة والمقاومة فجدت أشياء، وحدثت أمور شديدة التأثير والجذب للناس، توجههم نحو غايات، وتدعوهم إلى مسالك، وتدفعهم في شعاب كثيراً ما تتناقض وتتصادم مع ما يدعو إليه المسجد وما يقدمه من توجيه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت