قال خارجة بن زيد: كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئاً من أطرافه، وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، كان ضحكه تبسماً، وكلامه فصلاً لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم؛ توقيراً له واقتداء به .
وكان صلى الله عليه وسلم حليماً لا يعجل، ولا يعاقب على السيئة بالسيئة، لم تعرف منه زلة، ولم تحفظ عنه هَفْوَة، يعفو عند المقدرة، ويصبر على المكاره، لم يزد مع كثرة الأذى إلا صبراً، وعلى سفه الجاهل إلا حلماً، وكان أبعد الناس غضباً، وأسرعهم فيئاً.
وكان صلى الله عليه وسلم جواداً سمحاً سخياً ندياً، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ما سئل شيئاً قط فقال: لا . وكان أشجع الناس، لم يحفظ عليه فرة، وفر عنه الكماة والأبطال غير مرة في أحد وحنين، وهو ثابت لا يبرح، صابرٌ لا يتزحزح، لم يولِّ دبره لعدوٍ قط.
وكان صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خِدْرها، وإذا كره شيئاً عرف في وجهه. وكان لا يثبت نظره في وجه أحد، يخفض طرفه ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة، لا يجابه أحداً بما يكره حياء وكرم نفس، وكان لا يسمي رجلاً بلغ عنه شيء يكرهه، بل يبهم، ويقول: ( ما بال الرجل أو ما بال أقوام ؟) .
وكان صلى الله عليه وسلم أشد الناس تواضعاً، يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويعمل بيده، و يَفْلِي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، بعيداً عن الكبر، يمنع الناس عن القيام له كما يقومون للملوك، وكان يعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجلس في أصحابه كأحدهم، وكان - بأبي هو وأمي - لا يدع أحدا يمشي خلفه، ولا يترفع على غيره ولو عبده أو أمته في مأكل ولا ملبس، ويخدم من خَدَمَه، ولم يقل لخادمه أف قط، وكان يحب المساكين ويجالسهم، ويشهد جنائزهم، ولا يحقر فقيراً لفقره ، ويدعو فيقول:"اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين" [13] .