فهرس الكتاب

الصفحة 11944 من 19127

بل إن العبد نفسه إذا اتصف بالرحمة دون حزم وبالرفق دون عزم فإنه يعيبه ذلك، فإذا كان الكمال البشري يقتضي اتصاف الإنسان بصفات القوة والشدة إلى جانب صفات الرحمة والرفق، فما بالك بالرب سبحانه؟. إن رحمة من غير قوة وعفواً من غير مقدرة ضعفٌ مقيت، وإن ربَّاً برَّاً رحيماً رحمة خالصة، لا قوة تحميها من استغلال مرضى القلوب، يقول لعباده: اصنعوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم! يغري عباده باقتراف الموبقات، ويحولُّهم إلى شعوبٍ من عتاة المجرمين!! أما ربنا سبحانه فإنه يتصف بصفات القوة والرحمة معاً، غير إن رحمته سبقت غضبه! وكما وصف الله نفسه، وأمر رسوله بتبليغ الناس حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم، وعلمٍ بربهم سبحانه، فقال: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ} [50] . ولذلك نجد القرآن الكريم يستخدم في منهجه التربوي التعزيز بشقيه: السلبي والإيجابي، فيعمد إلى الإثارة والتشويق تارة وإلى التخويف والتحذير أخرى، ويستعمل الترغيب والترهيب غير إن الأصل في التربية الإسلامية هو التبشير والتيسير، وتقديم الرجاء على الخوف، وتحريم اليأس والقنوط من رحمة الله التي وسعت كل شيء. روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي) [51] . وحتى تعرف سعة رحمة الله اقرأ ما رواه البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار) [52] . ومن مظاهر رحمته مغفرته لذنوب عباده، وتجاوزه عن زلاتهم، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن أناسا من أهل الشرك، كانوا قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت